شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أمير المرابطين

محمد سرحان • من تراجم السلف

والتقى الجيشان في "الزلاقة"، أو "سكر إلياس" -كما تسميها النصارى- في يوم الجمعة 12 رجب سنـ479ــةهـ، وكانت الخطة تعتمد أن يحتفظ ابن تاشفين بقوة احتياطية تحتوي على أشجع الجنود تنقض في الوقت المناسب على الأعداء بعد أن يكون الإعياء قد بلغ بهم مبلغه، وثبت الجيش المرابطي -بقيادة البطل "داود بن عائشة"- مع جيش الأندلس أمام قوات النصارى، وأرسل ابن تاشفين عدة فرق لغوث "المعتمد بن عباد"، وبادر في الوقت نفسه بالزحف في حرسه الضخم من اللمتونيين والمرابطين، واستطاع بحركة بارعة أن يباغت جيش "ألفونسو" وأن يحدق به، ووكل يوسف بعض قوات جيشه بالنفوذ إلى خيام النصارى في الخلف وإحراقها؛ فتعالت النار في محلة "القشتاليين"، وارتد ألفونسو لينقذ محلته من الهلاك، وليسترد معسكره الذي انتزعه ابن تاشفين.

وانقض ابن تاشفين بجموعه المظفرة على النصارى كالسيل وهو يهدر من فوق جواده، ويمر في ساحات المسلمين: "يا معشر المسلمين، اصبروا لجهاد أعداء الله الكافرين، ومن رزق منكم الشهادة فله لجنة، ومن سلم فقد فاز بالأجر العظيم والغنيمة"، وقاتل ابن تاشفين في مقدمة صفوفه قتالاً شديدًا، وقد قُتِلت تحته أفراس ثلاثة!

وثبت المعتمد بن عباد ثباتًا رائعًا، وأصبح ألفونسو بين مطرقة ابن عباد وسندان ابن تاشفين، وحقت عليهم الهزيمة.

وهرب ألفونسو عندما حلَّ الظلام بعد إصابته بطعنة نافذة، ولم ينج من جيش النصارى مع ملكهم سوى أربعمائة أو خمسمائة فارس معظمهم جرحى، مات منهم قسم كبير فيما بعد.

وأمر ابن تاشفين برؤوس القتلى فصفت في سهل الزلاقة على شكل هرم، ثم أمر فأذن للصلاة من فوق أحدها. وانجلت الزلاقة عن يوم مشهود من أيام الإسلام، وفخر لا يقدر بثمن.

قال ابن خلكان في وفيات الأعيان عن غنائم هذه المعركة: "فلما حصلت عف عنها يوسف بن تاشفين، وآثر بها ملوك الطوائف، وعرَّفهم أن مقصوده إنما كان الغزو والجهاد لا الغنائم"، ثم عاد إلى المغرب.

وجاز ابن تاشفين الأندلس مرة ثانية لصد غارات النصارى على "مرسية"، ثم عبر مرة ثالثة إلى الأندلس بعد أن حاول بعض الأمراء التحالف سرًا مع ألفونسو السادس لطرد المرابطين، فعاد بطلب من القضاة والفقهاء، وبقي في الأندلس؛ بسبب فشل ملوك الطوائف في حماية الأندلس من الأخطار الخارجية وضمها إلى ملكه، وأنقذها من انهيار محقق، وضبطها بعزم وحزم بعد فوضى وضياع.

ومن أروع ما قاله ابن تاشفين: لما فتح مدينة "فاس" خرب السور الفاصل بين عدوتها، وقال: "إنما أسوارنا سيوفنا وعدلنا".

قال الذهبي -رحمه الله-: "مات ابن تاشفين في أول سنة خمسمائة وله بضع وثمانون سنة، وتملك مدائن كبارًا بالأندلس وبالعدوة، ولو سار لتملك مصر والشام" اهـ.

وكان وهو ابن الثمانين يثب على الفرس وثبًا!

رحمه الله رحمة واسعة، وحشرنا وإياه في زمرة الصالحين.

وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك وخليلك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة