شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدعاة إلى الله وأهلية الفتوى

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وفي الواقع، فإن باب الأهلية كان مستصحبًا تلقائيًّا؛ فمن كان يواجه من الصحوة الإسلامية مخالفين يتحصنون في ألقاب وشهادات وموافقة للإلف والعادة فمن غير المعقول أن يخوض المواجهة وهو غير متمكن من سلاحه الوحيد، وهو: الفهم الجيد للأدلة الشرعية التفصيلية، وقواعد الفقه الإجمالية، وأصوله.

ثم إن شروط هذه الأهلية كانت موجودة في مظانها من كتب الأصول، ويتعرض لها كل معني بدراسة الفقه وأصوله.

وبعد أن حققت الصحوة قدرًا من الانتشار واتسعت قاعدة المشاركين في الدعوة؛ احتاج الأمر إلى وقفة مع النفس نحقق فيها الاتزان المطلوب بين اعتبار المرجعية للكتاب والسنة دون الألقاب والشهادات ونحوها، وبين اعتبار أهلية الناظر في المسائل الشرعية.

ومما يزيد من خطورة هذا الأمر أن الصحوة الإسلامية قد تبنت مبدأ أن كل أحد عليه أن يوظف ما حباه الله به من إمكانيات لخدمة الدين، وهذا أمر له مستنده الشرعي كما في قصة "ذي البجادين" و"قصة جليبيب" و"قصة المرأة السوداء" التي كانت تقم المسجد وغيرها.

والأمة الإسلامية في أمس الحاجة -الآن- إلى تضافر الجهود، بيد أن الخطورة تكمن في اشتباه مؤهلات بعض الأعمال بمؤهلات البعض الآخر، لا سيما فيما يتعلق بقضية الفتوى، أو بصفة عامة التصدي لمسائل تفاصيل التقريرات العقدية والأحكام الفقهية والسياسة الشرعية، وهي أمور تستلزم ملكة معينة ودراسة لقواعد الشرع وأصول الفقه، وتمرس على الممارسة لفترة طويلة، بينما هناك أبواب من العلم خادمة أو متممة أو مستقلة عن هذه العلوم، بل ربما تكون أشرف، ولكن أهلية شخص ما في هذه لا يلزم منه أهليته في تلك والعكس بالعكس.

ومن أوضح الأدلة على ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وفي هذا الحديث نجد التمييز التام بين ملكتين:

الأولى: ملكة الحفظ أو الضبط تحملاً وأداءً باصطلاح المحدثين.

الثانية: ملكة الفهم والاستنباط.

ويفهم من قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فرُبَّ )، أنه قد يكون السامع على أعلى درجات الوعي، وقد يكون دوره أن يبلغ غيره، وفي كل خير.

والأمر يظهر بدرجة أوضح في القرآن، حيث يوجد فقه عظيم للقراءة، لكن لا يلزم أن يكون النابغ فيه نابغًا في تأويله، ورغم أن قراء الصحابة كانوا يحملون القرآن قراءةً وفهمًا، ولكن هذا لم يمنع من أن يكون أنبغهم قراءة ليس أنبغهم تأويلاً، ولا أعلمهم بالحلال والحرام الذي يستفاد من مجموع نصوص الكتاب والسنة معًا، ولذلك؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال في شأن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ( اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني).

وعلى الرغم من أن عامة الصحابة حصلوا من كل فضل نصيبًا، إلا أنهم راعوا الأهليات عند توزيع المهام، فوجدنا من انشغل بالجهاد ولم ينقل عنه العلم كـ "خالد بن الوليد" و"عمرو بن العاص" وغيرهما -رضي الله عنهما-، وإذا تأملتَ اجتهاد "عمرو بن العاص" -رضي الله عنه- في غزوة "ذات السلاسل" التي كانت بعد إسلامه بأشهر يسيرة، وكيف اجتهد في التيمم عند عدم القدرة على استعمال الماء، مع أن ظاهر القرآن أن التيمم يكون عند فقد الماء؛ علمتَ أنه -رضي الله عنه- كانت له ملكة فقهية عظيمة لم يمنعها من الظهور إلا إيثار أن يتولى هذا الجانب مَن هم أولى به منه مِن الصحابة.

ومنهم مَن عني برواية الحديث، وقد كان أكابر صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سُئلوا عن حديث ربما أحالوا إلى أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ لما عرفوا من ملازمته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وعنايته بحفظ حديثه، ودعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالحفظ.

وهذا ابن عباس -رضي الله عنهما- مع شرف نسبه وعلو همته استنكر كبارُ الصحابة إدخالَ عمرَ له معهم في التشاور في المهمات؛ فأبرز عمرُ لهم دقيقَ فَهمه لمّا سأله عن "سورة النصر"، فاستنبط منها ما يفوق ظاهر ألفاظها من الإيماء والإشارة فيها إلى قرب أجل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأقر الصحابة له بأهلية النظر في المهمات.

وهذا مما يشهد أن هذه الأهلية لا يغني عنها غيرها من نسب أو كبر سن، كما لا يعوقها غيرها من صغر سن ولا من فقدان نسب، ومِن ثَمَّ ساد الموالي في عصر التابعين في: القرآن، والفقه، والحديث، وغيرها من علوم الشرع.

وإذا تمهد هذا؛ فإن العصمة من ذلك أمران:

الأول: ألا يندفع البعض بدافع حب الدين والغيرة عليه والرغبة في خدمته وغيرها من الدوافع الحسنة -فضلاً عن دوافع حب الشهرة والظهور وغيرها من الدوافع السيئة- أن يتصدى لما لا يحسن، بل الواجب مجاهدة نزغات الشياطين التي تَؤُزُّ النفوس إلى طلب الشهرة، كما أن الواجب -بعد تخليص النية- أن يوظف كل إنسان ما عنده في سبيل خدمة الدين، ولا بأس أن يسعى المرء إلى تحصيل شيء يرى حاجة الأمة إليه بشرط أن يحصل أدواته كاملة، وما أروع ما ذكره العلامة "محمود شاكر" عن الإمام "الجبرتي الكبير" الذي رأى تفوق أوروبا في صناعة السلاح الحديثة؛ فتعلم علوم الهندسة، والتعدين، والسباكة، وتصدى بنفسه لسد هذه الثغرة، بَيْدَ أن قدوم الحملة الفرنسية أجهض مشروع النهضة الإسلامي، والذي قاد "الجبرتي" جانبه الدنيوي بعد ما ساهم في قيادة جانبه الديني.

الحاصل أن: مَن أراد خدمة الدين؛ فعليه أن يأتي الأمر على وجهه، فإن النوايا الحسنة لا تنفع صاحبها؛ متى أساء العمل.

الثاني: أن المتلقي عليه أن يتعامل مع أقوال كل أحد بأن أقوال العلماء يُحتج لها لا يحتج بها، وأنها مفتقرة إلى الدليل من الكتاب والسنة وأقوال وأفعال السلف، ويتأكد هذا الأمر إذا كنا نتعامل مع من يتكلم في غير فنه.

كما أن هذا الأمر يقي المتلقي من أن يُفتن مع من يفتن من المنتسبين إلى العلم، فإنك لا تأمن على حي فتنة، والعصمة منها بالاعتصام بالكتاب والسنة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية