شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التكفير عن فتنة التكفير

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

قامت وزارة الأوقاف المصرية بطبع كتاب للمفكر الإسلامي العقلاني د.محمد عمارة، وهو أحد المفكرين الموسومين عندهم بالاستنارة تحت عنوان " فتنة التكفير بين الشيعة، والوهابية، والصوفية"، ولم يتسن لنا الحصول على نسخة من الكتاب؛ لأسباب يأتي ذكرها، ولكن عنوان الكتاب دال على مقصوده، لاسيما والموضوع مطروح بدرجة كبيرة على مستوى المفكرين الإسلاميين العقلانيين، وهو محاولة التقريب بين المذاهب، والإنكار على تهم التكفير المتبادلة بين الشيعة و الصوفية و الوهابيين (السلفيين).

من أحق بالغضب

ومن المفترض أن يثير هذا حفيظة هذه الطوائف الثلاث، ولكن هذا لم يحدث؛ حيث أن الشيعة لا يهمهم ما يقال عنهم في صحف السنة، لاسيما المصرية منها، وهم الذين يشبهون الدور المصري في الآونة الأخيرة بالبالونة المنتفخة بالهواء .

كما أن الصوفية لا يقرءون عادة، وإذا قرءوا لا يهتمون بالردود، سيما والكتاب صادر عن وزارة الأوقاف، والرد قد يضعهم في خصومة يفقدون معها جزء من التأييد الرسمي.

وأما السلفيون المسمَوْن إعلامياً بالوهابيين، فلديهم معارك (تكفيرية) كثيرة تشغلهم عن الرد على أطروحات التيار العقلاني.

فالسلفيون مشغولون بمقاومة التيار التكفيري الحقيقي الذي يكفر عصاة المسلمين، أو الذي يحكم بالكفر على مرتكبه دون مراعاة الشروط الشرعية من إقامة الحجة و غيرها.

كما أنهم مشغولون بمقاومة تيار آخر لم يشتهر باسم التكفير، وإن كان أكثر جدارة بهذا الاسم، وهي التيارات التي تحاول أن تخرج المسلم من الإسلام إلى الكفر على اختلاف ملله.

بالإضافة إلى أن السلفيين لن تثنيهم جهود التقريب بين السنة والشيعة عن فضح الشيعة سابِّي الصحابة، والطاعنين في أمهات المؤمنين، ولا عن فضح إخوانهم من الصوفية الذي يحرثون لهم الأرض، ويبذرون لهم البذور كما أعترف بذلك الدكتور القرضاوي أحد رموز المدرسة العقلانية الحديثة وأحد أبرز دعاة التقريب.

وعلى الرغم من أن السلفيين كما قال أحد أبرز أئمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية "يعرفون الحق و يرحمون الخلق"، ومن ثم فهم يتحاشون تكفير المنتسبين للإسلام بالعموم من هذه الفرق الضالة كالصوفية و الشيعة الاثني عشرية، فلا يكفرون منهم إلا من فعل الكفر، وأقيمت عليه فيه الحجة، إنما يكفرون بالعموم أهل الملل الأخرى حتى من انتسب منها إلى الإسلام كالبهائية والدروز، وعلى الرغم من ذلك فإن خصوم السلفيين ما يفتئون يتهمونهم بتكفير المسلمين؛ تثبيطاً لهم عن بيان الحق، والوقوف في وجه البدع، وهي تهمة قديمة اعتاد عليها السلفيون فلم يعد يشغلهم كثيراً الإجابة عليها.

الغضب المفاجأة

و من هذا الطرح يتبين: إن أحداً ممن وجه إليه الكلام لم يغضب.

ولكن المفاجأة كانت أن النصارى هم الذين غضبوا، وهي مفاجأة بكل المقاييس.

فلماذا يقرؤون كتاباً من إصدار وزارة الأوقاف، لاسيما وهو يحمل عنواناً يبين موضوعه، وهو بعيد كل البعد عن اهتمام النصارى؟ ولماذا يغضبون؟

فأما السؤال الأول: فقد فسره البعض بوجود حلف يساري-نصراني ضد الدكتور عمارة فاليساريون يعادونه؛ لأنه رفيقهم الذي هجرهم، والنصارى يعادونه لأنه كتب كتاباً يحذر فيه من التنصير، ولذلك فالأرجح أن الكتاب وقع في يد بعض اليساريين فأحاله بدوره إلى أقباط الداخل والمهجر.

وأما لماذا يغضبون؟ فقد ذكر عدد من مواقعهم الالكترونية أن الأزمة كانت في الفقرة التالية التي نقلها د.عمارة من كتاب "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" لأبى حامد الغزالي يقول فيها:

"الكفر.. هو تكذيب الرسول في شيء مما جاء به والإيمان.. تصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول والبراهمي -نسبة لبراهمة المعبود الأعلى في الثالوث الهندوكي- كافر بالطريق الأول؛ لأنه أنكر مع رسولنا سائر المُرسلين، والدهري -الوجودي المنكر للخالق- كافر؛ لأنه أنكر مع رسولنا المرسل سائر الرسل؛ وهذا لأن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلاً ،إذ معناه أباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص أو بقياس على منصوص، وقد وردت النصوص عند اليهود والنصارى والتحق بهم بالطريق الأول البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية فإنهم مُكذبون للرسول، وكل مُكذب فهو كافر، فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة، والأصل المقطوع به إن كل من كذب محمد فهو كافر، أي: مُخلد في النار بعد الموت مُستباح الدم والمال في الحياة."

الاعتذار و التكفير

و بعد أن أثيرت الأزمة حاول د.عمارة التماسك، إلا أنه في نهاية المطاف اضطر إلى الاعتذار عن عبارة " مُستباح الدم والمال في الحياة" ملقياً باللائمة على الإمام الغزالي -رحمة الله- مستغرباً من وقوعه في هذا الخطأ البين، ومعتذراً عن نفسه بأنه نقل كلام الغزالي بكل ثقة دون أن ينظر فيه.

و تكفيراً عن هذا الخطأ الفادح قامت وزارة الأوقاف بجمع نسخ الكتاب، وإعداد طبعة جديدة خالية من هذه العبارة، مما فتح شهية البعض إلى الدعوة إلى مراجعة نقل الغزالي ككل من الحكم على النصارى بالكفر، ومن الحكم بخلودهم في النار، ومما يأسى له أن يتم هذا الأمر بهذه السرعة في ذات الوقت الذي يقف فيه الأزهر عاجزاً عن الدفاع عن وجهة نظره في رواية أولاد حارتنا التي طبعتها دار الشروق مؤخراً متجاهلة اعتراض الأزهر عليها .

أين الخطأ

إن عبارة "إباحة الدم" التي ألقى د.عمارة بتبعتها على الغزالي عبارة صحيحة. ولكن لا يلزم منها الدعوة إلى الاعتداء على النصارى -كما أشيع-، مما جعل د.عمارة يتنصل منها، ولكن المقصود أن المسلم معصوم الدم والمال بمقتضى إسلامه، والكافر لا يعصم دمه و ماله إلا بعهد أو أمان أو ذمة، وعلى ذلك فلا يلزم من كلام الإمام الغزالي الدعوة إلى الاعتداء على النصارى والمعاهدين، وإنما لم يبيِّن الغزالي أحكام العهد والذمة في هذا السياق لأنه يكلم طلبة علم مسلمين، ويعرفون أنه في هذا الموضع مشغول ببيان حد الكفر شرعاً دون التطرق إلى أحكام الكفار عموماً، و أهل الذمة خصوصاً، ولا ندرى السبب الذي من أجله عدل د.عمارة عن هذا البيان إلى الاعتذار و إعادة طبع الكتاب.

وأما الطلبات الأخرى التي تتعلق بالامتناع عن وصفهم بالكفر، والحكم بخلودهم في النار، فأمر يتعدى الدكتور عمارة والإمام الغزالي إلى الآيات البينات المحكمات في كتاب الله مثل قوله -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة:30)

وقوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً)

ومن تأمل عبارة الإمام الغزالي عرف النكتة في المسألة، وإن التكذيب بمحمد -صلى الله عليه وسلم- والامتناع عن متابعته كفر عندنا معشرَ المسلمين، كما أن الإيمان به كفر عند اليهود والنصارى، فماذا عسانا أن نسمى المكذبين به -صلى الله عليه وسلم-؟