إن الله لا يحب المفسدين
علي حاتم • التزكية
- ومن المعلوم أن قارون قد فرح بالدنيا وافتخر بها، وتلهى بها عن الآخرة ونسيها، ودفعه الفرح والسرور والأشر والبطر إلى التجبر على عباد الله، والإفساد في الأرض.
9- قطع الأرحام:
إن من سنن الله -عز وجل- ومن حكمته أن الذي يُعرض عن الحق يبتليه الله -عز وجل- بالاشتغال بالباطل، فهما أمران: إما التزام بطاعة الله وامتثال لأوامره، وهذا يترتب عليه الفلاح والرشاد في الدنيا والآخرة، وإما الإعراض عن ذلك والتولي عن طاعة الله؛ فلا يكون إلا الفساد في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطع الأرحام؛ قال الله -عز وجل-: ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (محمد:22) .
10- إيقاد نار الحروب بين العباد:
قال -عز وجل- عن اليهود: ( وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (المائدة:64) .
- فاليهود كلما أوقدوا نارًا للحرب؛ ليكيدوا بها الإسلام وأهله، أطفأها الله بخذلانهم، وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم.
( وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ) بتدمير ديار المسلمين، وحرق زروعهم وتخريب معايشهم، والصد عن دين الله -تعالى-.
11- السرقة:
السرقة من أعظم أنواع الفساد في الأرض، ولقد أقسم إخوة يوسف -عليه السلام- أنهم ليسوا مفسدين ولا سارقين، ولما سُئلوا عن جزاء من وُجد صواع الملك في رحله، قالوا: جزاؤه بأن يتملكه صاحب السرقة، ولقد كان هذا الحكم في دينهم، إذا ثبتت السرقة على شخص؛ كان هذا الشخص ملكًا لصاحب المال المسروق، قال الله -عز وجل-: ( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ . قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) (يوسف:73-75) .
12- السحر:
السحر من السبع الموبقات أي: المهلكات، كما بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكره بعد الشرك بالله، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) (متفق عليه) .
والسحر من أكبر أنواع الإفساد في الأرض، ذلك أن الساحر يعمل أشياء تضر الناس وتؤذيهم، وتضلهم؛ سواء بالاستعانة بالجن في ذلك، أو عن طريق التخييل حتى يرى الإنسان الشيء على غير ما هو عليه، قال -عز وجل-: ( مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:81) ؛ لأنهم كانوا بذلك -قبل أن يهديهم الله- يريدون نصر الباطل على الحق، وأي فساد أعظم من هذا؟!
13- القتل للنفس بغير حق:
قال -عز وجل-: ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ . قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) (النمل:48-51) .
لقد أرادوا بنبي الله صالح -عليه السلام- وأهله أمرًا، وأراد الله أمرًا؛ فوقع ما أراد الله -تعالى- على مراد الله، لقد مكروا ( وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (آل عمران:54) .
هؤلاء تسعة رهط في المدينة أرادوا قتل صالح -عليه السلام- وأهله، وبيتوا النية على ذلك، وتقاسموا فيما بينهم كل واحد أقسم للآخر لنأتينهم ليلاً هو وأهله فلنقتلنهم، ووصفهم الله -عز وجل- بالإفساد في الأرض. فهل حصل مقصودهم؟!
لقد دمرهم الله -عز وجل- ودمر قومهم، واستأصل شأفتهم؛ فجاءتهم صيحة عذاب أهلكتهم عن آخرهم، ونجى الله نبيه صالح -عليه السلام-، ومن معه من المؤمنين.
14- إتيان الفواحش والمنكرات:
( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ) (العنكبوت:28-30) .
ولقد جمع قوم لوط بين الفاحشة في الذكور، وقطع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم لوط -عليه السلام-، وبيَّن لهم قبح أفعالهم، فلما لم يمتثلوا أوامر الله وطاعة نبيه؛ قلب الله عليهم ديارهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل؛ فصاروا عبرة من العبر.
والله وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة لا بالله.