الفطر والأضحى - القرآن والكعبة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
إذن لقد رأى الأعداء في القرآن والكعبة المصادر الأولى للهوية الإسلامية التي ما جاءوا إلا لطمسها؛ فزالوا وبقي القرآن والكعبة -بحمد الله تعالى-، وصار من أصدق من ينطبق عليه البيت القائل:
كـناطـح صخرة يـومًا ليوهـنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
بل إن مِن مكر الله بهم أن جعل خريجي الجامعات التي أعدت لإخراج جيل يؤمن بالمبادئ الغربية ويكفر بدينه هم مَن يحمل هم الإسلام ويحفظ القرآن، ويحج إلى بيت الله الحرام!
وبعد عشرات السنين من الجهود المضنية أدرك الاستعمار أنه جاء في التوقيت الخاطئ، وأن عليه أن يمهد الأرض بالحرب على القرآن والكعبة، والقضاء عليهما قبل أن يأتي، وربما لن يكون ساعتها في حاجة إلى أن يأتي.
واستمر الطابور الخامس يحاربون القرآن بإثارة الشبهات حوله؛ لأن تفجير الأوضاع من الداخل هي الطريق الأمثل لهذه، وربما تخلى بعض الكفار عن حذره أو غلبته حرقته على القرآن، أو تشوفه لتحقيق حلم الانتصار عليه الذي طال انتظاره، وسيطول أكثر وأكثر إلى ما لا نهاية -بإذن الله-؛ فيدخل على خط الهجوم إلا أنهم سرعان ما يعودون أدراجهم تاركين المهمة لأذنابهم.
وبينما يتحاشى هؤلاء الأذناب الهجوم الصريح على الكعبة، بل يتشدق الكثير منهم بحرصه على الحج والعمرة إلا أنه لا يمنع من وجود بعض المتهورين أو المتهورات ممن يهاجمون تعظيم الكعبة هجومًا صريحًا.
بيد أن العالمانيين وجدوا في مسألة زيادة الطلب على النقد الأجنبي في موسم الحج، والمواسم التي تكثر فيها العمرة: كـ"رمضان" ذريعة اقتصادية للمطالبة للحد من الحج والعمرة!
بيد أن هذا المبرر ليس كافيًا لمنع الناس الذين تحن قلوبهم إلى البيت الحرام مِن المسارعة إلى تلبية نداء الله بإتيانه، ومِن ثمَّ استخرج هؤلاء فتاوى من بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة مِن أن الصدقة بقيمة الحج والعمرة أفضل من تكرارها! بل وزاد بعضهم مِن أن: الصدقة بقيمة الأضحية أفضل من فعلها!
ويكفي أن نعرف لسقوط هذه الدعاوى أن الدراهم والدنانير كانت موجودة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع هذا بالغ في الحض على الأضحية حتى قال: ( مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ؛ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا ) (رواه أحمد وابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني) ؛ مما يدل على أنها شعيرة مقصودة لذاتها.
ومِن جملة مصالحها: إطعام الفقراء اللحم، وليس هذا هو كل مقاصدها، وكذلك: رغب النبي -صلى الله عليه وسلم- في المتابعة بين الحج والعمرة، ولم ينصح بالصدقة بدلاً عن التكرار مع وجود الفقراء في عصره -صلى الله عليه وسلم-، بل مع شدة حاجتهم حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّ الله -تعالى- يَقُولُ: إنّ عَبْدًا أصْحَحْتُ لهُ جِسْمَهُ وَوَسَّعْت علَيْهِ في مَعيشَتِه تَمْضِي عليْهِ خَمْسَةُ أعْوَامٍ لا يَفِدُ إلَيَّ لمَحْرُوم ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .
بل بيَّن -صلى الله عليه وسلم- أن الحج والعمرة ينفيان الفقر كما ينفيان الذنوب، مما يدل على أن النفقة فيهما مخلفة على المنفق؛ مما يتيح له المزيد من الصدقة.
بل إن الحج من أسباب الرواج الاقتصادي وليس العكس، وأما كون هذا الرواج نتيجة التقسيم السياسي الجائر لبلاد المسلمين يعود على بلد على حساب اقتصاد بلد آخر، فوهم أراد أصحابه أن يصدوا الناس عن البيت؛ وإلا فالعاملين في مجال الحج والعمرة في الداخل كثيرون -والحمد لله-.
بل بالنسبة لمصر خاصة فإن كثيرًا من العاملين في السعودية في هذا المجال وغيره من المجالات التي تزدهر في موسم الحج من المصريين الذين يتقاضون رواتبهم بتلك العملات الأجنبية، ثم تعود مرة ثانية على هيئة تحويلات.
فالأمر من كل الجهات يؤدي إلى طريق واحد.. طريق تلبية نداء الخليلين: "إبراهيم" و"محمد" -صلى الله عليهما وسلم-.
طريق الحفاظ على وحدة الأمة والارتباط برمز وحدتها.
طريق إغاظة الكافرين والمنافقين.. وإعلامهم أن القرآن باق ليس في المصاحف وحسب، بل وفي الصدور.
وأن الكعبة باقية ليس ببنائها فحسب، بل بمكانتها في قلوب المسلمين.
وأن صلة المسلم بقرآنه وكعبته لا تنقطع أبدًا، بل تتكرر في الصلاة بفرضها ونفلها.
إلا أنه من السنن الشرعية المرعية وجود مواسم للخير تمثل محطات للتزود بالإيمان والتقوى، واستحضار لمعان فاضلة، وموسم الحج موسم يزداد فيه نصيب الأمة من الارتباط بقبلتهم بين حاج ببدنه وحاج بقلبه.
وشهر رمضان موسم يزداد فيه ارتباط المؤمنين بقرآنهم قراءة وقيامًا وتدبرًا، بل ويزداد فيه الارتباط بالكعبة -أيضًا-، فهو موسم فاضل تزداد فيه العمرة ثوابًا، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي ) (متفق عليه) .
ومِن محاسن التشريع: أن هذين الموسمين من مواسم الطاعة ينتهيان بعيدي المسلمين السنويين اللذين لا يعرف المسلمون غيرهما.
نسأل الله أن يحفظ الإسلام وأهله، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يجعلنا من أهل القرآن، وأن يزيد بيته الحرام تعظيمًا وتشريفًا، وأن يعيد الأعياد على المسلمين في عز ونصر وتمكين، وعمل بالدين القويم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يشغل المحيط الهادي نصف الكرة الأرضية تقريبًا، ومِن ثمَّ فرغم كروية الكرة الأرضية إلا أن الجغرافيين يجعلون لها باعتبار اليابسة شرقًا وغربًا، فتمتد اليابسة التي تخللها بعض المياه من السواحل الشرقية لقارة آسيا شرقًا إلى السواحل الغربية للأمريكتين غربًا، كما أن لها شمال وجنوب عند القطبين، وعندما حاول بعض الجغرافيين تمرير دائرة بهذه الأطراف وجد أن مركزها هو مكة!
كما وجد -أيضًا- أن مكة هي المركز المغناطيسي للأرض، فعندها تتجمع الموجات المغناطيسية المسببة لقوى التجاذب مع سائر الكون.
ونقل الدكتور "زغلول النجار" عن بعض الجغرافيين قوله: إنه لو أعيد تقسيم خطوط الطول بجعل خط الطول المار بمكة هو خط الطول صفر سوف يلغي الانحراف الموجود بين الشمال المغناطيسي والشمال الجغرافي.