شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حكم التصرف في جلد الأضحية

عبد الرحمن صابر • بحوث شرعية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد شرع الله الأضحية لعباده المسلمين عبادة وفرحة ومنسكًا من مناسك أيام عيد الأضحى؛ فأقبل عليها المسلمون ، فهي -بحمد الله- من أكثر الشعائر شيوعًا بين عامة المسلمين، وقد أردت بيان حكم التصرف في جلد الأضحية؛ لأن أكثر مسلمي بلادنا لا ينتفعون بالجلد في العادة، فيحتاجون إلى التنبيه على ما يحل وما يحرم من التصرف في الجلد، فإلى البيان:

قال ابن رشد -رحمه الله- في بداية المجتهد "1/537" دار العقيدة: "والعلماء متفقون فيما علمت أنه لا يجوز بيع لحمها ، واختلفوا في جلدها وشعرها وما عدا ذلك مما ينتفع به منها ، فقال الجمهور: لا يجوز بيعه ، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدراهم والدنانير: أي العروض، وقال عطاء: يجوز بكل شيء دراهم ودنانير وغير ذلك (1) .

وإنما فرق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها؛ لأنه رأى أن المعاوضة بالعروض هي من باب الانتفاع ، لإجماعهم على أنه يجوز أن ينتفع به".

ومن فوائد هذا النقل: أن المنع من بيع اللحم محل إجماع، وهو أقوى عند العلماء من بيع الجلد، فأردت التنبيه حتى لا يسيء أحد الفهم في هذه المسألة التي لا يتكرر التنبيه عليها غالبًا.

ملحوظة: نقل ابن حزم -رحمه الله- في المحلى (4/385) عن الشعبي أبي العالية جواز بيع الجلد مطلقًا، وهذا القول بعيد جدًا، لعل قائليه لم تبلغهم السنة.

أدلة النهي عن بيع جلد الأضاحي أو شيئًا منها:

1- روى البخاري (1610) عن علي -رضي الله عنه- أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلالَهَا، وَلا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا.

وبنحوه رواه مسلم بلفظ قريب (1317)، ورواه غيرهما، وفي رواية: ( وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا ).

وجه الدلالة من قوله: "وَلا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا":

دل الحديث على النهي عن إعطاء الجزار أجرته منها، وأظهر علة يمكن إعمالها هنا هو أنه لا يجوز للمضحي التصرف في جلدها أو شيء منها على سبيل المعاوضة، وأما التعليل بمنع كون الأجرة بعض المعمول بعد العمل فبعيد جدًّا، ولا دليل على منع هذا، وحديث النهي عن قفيز الطحان لا يصح؛ رواه الدارقطني البيهقي وقال ابن تيمية "لا أصل له".

فيكون الحديث دالاً على منع دفع الأجرة من الأضحية ، وقيس عليه المعاوضات المالية كالبيع سواء أكان بنقد أو بعرض.

وهذا الحديث هو في الهدي، ولكنَّ الأضحيةَ مساويةٌ للهديِ في العلَّة، وهي تعيينها قربة لله في حال مخصوص؛ فيشتركان في وجه الدلالة.

2- عن أبي سعيد أن قتادة بن النعمان أخبره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ لا تَأْكُلُوا الأَضَاحِيَّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لِتَسَعَكُمْ، وَإِنِّي أُحِلُّهُ لَكُمْ، فَكُلُوا مِنْهُ مَا شِئْتُمْ ) قَالَ: ( وَلا تَبِيعُوا لُحُومَ الْهَدْيِ وَالأَضَاحِيِّ فَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا، وَإِنْ أُطْعِمْتُمْ مِنْ لُحُومِهَا شَيْئًا فَكُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ ) (رواه أحمد، وضعفه الأرناؤوط فراجع كلامه مفصلاً) ، والذي صحَّ من خبر قتادة هو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُوا لُحُومَ الضَّوَاحِي وَادَّخِرُوا ) "رواه أحمد (11499) و(16213) بسندٍ صحيح" .

تنبيه: وقع في حاشية المسند : " إنْ كنت " ، ولكن في مطبوعة الأرناؤوط : " إني " فهي أضبط، ووقع في منتقى الأخبار : " فكلوا أنَّى شئتم " ، ولكن الذي في المسند ما أثبتُّه.

3- روى الحاكم في المستدرك من طريق زيد بن الحباب عن عبد الله بن عياش عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( من باع جلد أضحيته فلا أضحية له )، ومن نفس الطريق رواه البيهقي (19015) باب: "لا يبيع من أضحيته شيئًا ولا يعطي أجر الجازر منها"، قال الحاكم: صحيح مثل الأول -يعني حديث: ( مَن وجد سَعةً لأن يضحي فلم يُضَحّ.. )- ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بأن: ابن عياش ضعفه أبو داود، وقال في "مختصر السنن الكبرى" (8/3881، رقم 14910): "عبد الله بن عياش ضُعِّف، وقد أخرجَ له مسلم".

ابن عياش: ضعفه النسائي -وهو من العارفين برواة مصر؛ لنزوله بها مدة سنين- وأبو داود وجماعة، بل قال الحافظ ابن يونس صاحب "تاريخ المصريين" وهو أخبَر الناس برواتهم: "منكر الحديث"، وأما إخراج مسلم لحديثه، فقال الحافظ في التهذيب: "إنما أخرج له حديثًا واحدًا في الشواهد لا في الأصول" راجع التهذيب، وكذلك لم يخرج له عن الأعرج، فالإسناد على هذا لا تقوم به حُجَّة.

- يبقى لنا الاستدلال بالحديث الأول الدال على عدم المعاوضة بشيء من الأضحية، وظاهره يشمل بيعَها والتصدقَ بثمنها، أو إعطاءَها الجازرَ والتصدُّقَ بمقابل أجرته.

وقد اختلف أهل العلم في حكم بيع الجلد والتصدق بثمنه:

قال ابن قدامة في المغني (13/136 دار الحديث) عند قول الخرقي: "وله أن ينتفع بجلدها ولا يجوز أن يبيعه ولا شيئًا منها"، "وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا جلدها واجبة كانت أو تطوعًا ؛ لأنها تعينت بالذبح ، قال أحمد : لا يبيعها ولا يبيع شيئًا منها، وقال: سبحان الله كيف يبيعها وقد جعلها لله - تبارك وتعالى - ؟ وقال الميموني : قالوا لأبي عبد الله : فجلد الأضحية يعطاه السلا خ ؟ قال : لا ، وحكى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( وَلا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا ).. ثم قال : إسناده جيد ، وبهذا قال أبو هريرة ، وهو مذهب الشافعي ، ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل وآلة البيت ، وروي نحو هذا عن الأوزاعي ؛ لأنه ينتفع به هو وغيره فجرى مجرى تفريق اللحم ، وقال أبو حنيفة : يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه ، وروي عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه ، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق".

الصفحة التالية