دعاء السفر المأثور والصحفي المذعور
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
فأما ما زعمتَ من أن الذكر النبوي يدخل على نفس المسافر تشاؤمًا فكلام لا يصدر من رجل سافر ولو مشيًا على قدميه فضلاً أن يكون قد سافر بالطائرة ومر بتلك الإجراءات التي وصفنا شيئًا منها، ومثلت أمام عينيه كلمات المفرقعات والمتفجرات، والاختطاف، والسقوط، والاحتراق؛ فالأخطار ماثلة، والحديث يسن للمؤمن أن "يستعيذ" بالله منها، وأخطار السفر تكون ماثلة بطبيعة الحال في ذهن كل مسافر؛ لا سيما سفر الطائرة حيث تلقى على أسماعه كلما حل أو رحل.
وأما إذا زعمت أن أخبار المخاطر التي تورادت عليك لم تصبك بالتشاؤم؛ فمن باب أولى كان ينبغي ألا يصيبك ذكر الاستعاذة منها بهذا التشاؤم.
وأما إذا زعمت أن الاستعاذة بالله هي التي أصابتك بالتشاؤم دون أخبار المخاطر؛ فنظن أنك في هذه الحالة قد تكون في حاجة للعرض على "قومسيون" طبي.
6- وأما زعمك أن الآية تذكر بالانقلاب إلى الله وهو أمر يصيب المسافر بالتشاؤم، فبعد أن عرفت أن هذا الدعاء قد أمر به القرآن عند ركوب الدابة خاصة، وأن اختياره لهذا الموطن لم يكن اختيارًا من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فضلاً أن يكون اختيارًا من شركة الطيران فماذا أنت فاعل؟!
إذًا يجب عليك أن تعلم إن كنتَ مسلمًا أن استمرار ذكر المسلم للدار الآخرة هو الذي ينفعه عند الله؛ حتى لا يستدرجه الشيطان فيبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، وكل الدنيا عرض زائل حتى رئاسة الدنيا بأسرها، وليس فقط رئاسة تحرير صحيفة ساقطة فيها!
والآية تأمر بشكر نعمة الفلك والأنعام، ثم تُذكِّر الخلق أنهم منقلبون إلى الله؛ لتنظر كل نفس ما قدمت حتى يرغب الناس في عدم الزهد بهذا الشكر، ومع ذلك "أبى أكثر الناس إلا كفورًا"!
وهذا لأن هذا الذكر هو لركوب الدابة بصفة عامة في الحضر والسفر، وأما في السفر فالحكمة فيه أظهر حيث يشبه السفر الحسي السفر إلى الله من وجوه كثيرة، وحيث يحتاج المسافر إلى الله زادًا كما يحتاج المسافر السفر الحسي زادًا، وزاد سفر الآخرة التقوى ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) (البقرة:197) .
كما أن أخطار السفر وما يوجد فيه من احتمالات انقلاب إلى الله تستدعى توبة وكتابة وصية بالديون واستئذان الوالدين، واستئذان المدين من دائنه، وأحكام فقهية لا نظن أن الكاتب يدري عنها شيئًا.
وإذا كان الكاتب يصيبه الذعر من ذكر الموت فهو يحتاج أن يسأل نفسه: هل لأنه خرب آخرته من أجل دينه؟ أم لأنه لا يقرأ القرآن الذي هو من أوله إلى آخره تذكير بيوم الدين، كما قال -تعالى- في الفاتحة: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ).
في الواقع نحن نتعامل مع كاتب مذعور من الموت.. وهذه مشكلته لابد أن يعالجها!
مذعور من أن يذكره أحد بوعثاء السفر، وكأنه يسافر بلا ألم مادي أو معنوي!
ولكنه يبدو أنه قبل هذا كان مذعورًا من أن يطير منه كرسي رئاسة تحرير الجريدة المشبوهة كما طار من أستاذه من قبله.
ومِن ثمَّ فلا مانع عنده أن يطعن في دين الأمة كلما كان هذا الطعن يساوي زيادة في راتبه، وتثبيتًا في كرسيه الذي سيأتي اليوم الذي يُركل من عليه كما ركل أستاذه، أو ينقلب إلى الله وهو عليه؛ فيسأله عما كان يفعل.
فهل تدركه رحمة الله قبلها فيتوب أم ينقلب إلى الله بشر وجه وبشر عمل؟!
فليختر لنفسه.. و( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (الطور:21) .