النفاق من أخطر صور الإفساد في الأرض
علي حاتم • من نور الوحيين
العهود التي ساد فيها الإسلام، وانتشر في أرجاء الأرض، وساد فيها تحكيم شريعة الله، وعلت قيم الإسلام؛ يصفونها بأنها عهود الظلام، ويصفون العهود التي روجوا فيها لآرائهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة، وسلوكياتهم المنحلة بأنها عهود النور! يا للعجب لو كان مقصودهم بالنور الكهرباء فإننا نصدقهم.
ولقد أدت هذه الموازين المقلوبة عندهم، والفطر المنكسة أن تنكَّر لهم كل مخلوق سلمت فطرته، وما أعجب ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ )، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ.
المنافقون والدياثة وتبلد المشاعر:
فالمنافقون انقلبت -كما بينا- الموازين عندهم، ومِن ثمَّ فهم لا ينظرون إلى كثير من المعاصي على أنها معاصي، بل وهم يستغربون ويتعجبون من أهل الحق الذين منَّ الله عليهم باعتدال الفطر، وحسن الحكم على الأشياء، فالحق عندهم حق، والباطل عندهم باطل، الحلال عندهم بيِّن والحرام عندهم بين.
ومن الأمثلة على ذلك: حبهم لاختلاط الرجال بالنساء، وإصرارهم على الدعوة لذلك، وتربية أبنائهم وبناتهم على حب الاختلاط، وتشجيعهم لبناتهم على مصاحبة الرجال والتعرف على الشباب، وتنمية علاقات الحب بينهم كطريق وحيد لابد له من أجل الزواج، وغير ذلك من ألوان الانحلال التي تدل على تبلد الحس وعدم الشعور بأثر المعاصي والفواحش على المجتمع؛ وبالتالي فالمنافق لا يحارب تلك الفواحش، بل هو يدعو لها ويسخر من محاربتها.
وصدق الله -عز وجل- إذ يقول: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )، فهذا حصر للفسق فيهم، وقال أيضًا: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (النور:19) .
المنافقون يرمون المؤمنين بالسفه:
قال -عز وجل-: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (البقرة:13) .
فالمنافقون كانوا يرون أن المؤمنين في هجرتهم من مكة إلى المدينة، وفي تركهم لديارهم وأموالهم وعشائرهم، وفي إيمانهم وتركهم لدين آبائهم أنهم سفهاء، فرد الله عليهم مدافعًا عن المؤمنين حاصرًا للفساد في المنافقين، فقال -عز من قائل-: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ).
والسفيه هو: الذي لا يعرف مصلحة نفسه، ولا مصلحة ذويه، ومورد نفسه وذويه موارد الهلاك والدمار، وهذا بلا شك من أعظم الفساد في الأرض.
لا توجد نقطة التقاء بين المؤمن والمنافق:
كيف يمكن أن يلتقي المؤمن الذي يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولاً، ويعبِّد نفسه لله -عز وجل- وحده، ويدعو إلى ذلك، ويعلم أنه كلما ذل نفسه لله وحده، كلما كان في أشرف أحواله مع ربه -عز وجل-، كيف يمكن أن يلتقي مع شخص يدعو إلى الحرية في كل شيء.. في الدين، في الاعتقاد، في الكفر.. ؟!
إن المؤمن يرى أنه عبد، وليس حرًا، يرى أنه عبد لله يراه الله حيث أمره، ويفتقده حيث نهاه، الحرية عنده منضبطة بضوابط شرعية وعاها عن الله، وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
أنى له أن يلتقي مع من يرى الكفر حرية، ويرى الابتداع إبداعًا، والتحلل من قيم الإسلام وأخلاقه تحضرًا ومدنية؟!
إن الهوة سحيقة والبون شاسع.. ومن ثم كيف الالتقاء؟!
عقوبة المنافقين الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام:
قال -عز وجل-: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) (النساء:145) .
هذه هي عقوبتهم، فهم أسوأ من الكافرين كما بينا؛ فاستحقوا الخلود في الدرك الأسفل من النار، ولكن الله بكرمه وعفوه، فتح لهم باب التوبة على مصراعيه فقال -عز من قائل-: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) (النساء:146) .
واشترط الله -عز وجل- لتوبتهم أن يصلحوا ما أفسدوه، وأن يعتصموا بالله ويخلصوا دينهم لله، حينئذ يصيرون مع المؤمنين؛ وهي أمنية غالية عليهم أن يتشبثوا بها، أن يكونوا في معية المؤمنين ( وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا )، بعد ما كانوا في عداء وكراهية مع المؤمنين ومع صفاتهم الحميدة.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.