شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إن الحكم إلا لله

محمد الجهمي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد أنزل الله لنا شريعة مباركة هي خير الشرائع وأكملها، تقيم العباد على منهج العبودية الحقة لله رب العالمين، وجعلها الله خاتمة الشرائع صالحة لتحكم المجتمع الإسلامي مهما اتسع وامتد ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ) (المائدة:10) .

ونَعِمَ المسلمون في ظل هذه الشريعة المباركة عصورًا متتالية، وقد عصم الله الأمة الإسلامية بهذه الشريعة من أن تضل في مسارها، كما حفظ الله على الأمة الإسلامية دينها وعقيدتها، وعقولها، ونفوسها، وأعراضها، وأموالها بهذه الشريعة.

كما حفظ -أيضًا- بهذه الشريعة الضعفاء من ظلم الأقوياء، والمحكومين من استبداد الحكام، والفقراء من حيف الأغنياء، وأصبحنا بهذه الشريعة عندما استقمنا عليها خير أمة أخرجت للناس، وقادة لركب البشرية إلى الخير والرشاد، كما أصبحنا في موقع الصدارة نقف من البشر موقف المعلم من التلاميذ.

وقد حاول بعض المسلمين -حكامًا ومحكومين- عبر القرون أن يتفلتوا من شريعتهم، ولكن كان في الأمة رجال يعيدونها إلى الرشد والصواب، ويقيمونها على أمر الله، وبقي المسلمون على مدار ثلاثة عشر قرنًا ليس لهم قانون يحكمهم غير القانون الإسلامي، وغير الشريعة الإسلامية، وإن وقع ثلم في تطبيق بعض الأحكام خاصة في مسائل الحكم ومسائل الأموال، إلا أن الخط العام كان التحاكم إلى شرع الله وحكمه.

وبقي الحال إلى ما قبل قرن من الزمان، فقد تنبه أعداؤنا إلى أن استمساك المسلمين بدينهم وشريعتهم هو سر قوتهم وسبب تماسكهم؛ فوضعوا مخططـًا يهدف إلى اغتيال عقيدة المسلمين من جانب، وإقصاء الشريعة الإسلامية من حياة المسلمين جانب آخر، ومنذ وقت طويل وأعداء الإسلام يفتلون لنا في الذروة والغارب؛ ليقصونا عن ديننا وعقيدتنا.

وقد شاهدنا كثيرًا من مخططات أعداء الإسلام التي وضعوها في الماضي وبذلوا جهودًا هائلة؛ لتنفيذها؛ فوجدناهم قد بذلوا الكثير والكثير من أجل إقناع حكامنا وشبابنا ورجالنا ونسائنا بأن سبب تأخرنا وهزائمنا هو ديننا وشريعتنا، وأنه لا غنى لنا -إن أردنا أن نتقدم ونتحضر- من نبذ الشريعة، وعلينا -إن أردنا العزة والكرامة- أن نأخذ أنفسنا بما أخذ به الغرب نفسه من إقصاء الدين عن الحياة، وبذل أعداء الإسلام جهودًا متواصلة وكثيرة حتى غرس هذه الفكرة في نفوس أبناء المسلمين، وربي جيلاً في مختلف أنحاء العالم الإسلامي يعمل على هدم معاقل الإسلام، ويدمر حصونه وينسف الأسوار الحامية للإسلام وأهله، وأخذت القلاع تسقط واحدة واحدة، وكان المخدوعون من هذه الأمة يصفقون ويفرحون وهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ظانين أنهم يبنون الأمجاد!

لقد انهارت الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين، وتمزقت البقية الباقية من الأمة الإسلامية؛ فأصبحت دولاً متفرقة، اُحتلت أراضيها، وديست كرامتها، ودُمر اقتصادها، وأفسد التعليم فيها، وأبعدت شريعتها عن الحكم، ومكن في الحكم للرجال الذين رضعوا ثقافة الغرب وتغذوا بلبانه، وأصبح حمى المسلمين مستباحًا لكل دخيل، ولكل منافق عليم اللسان، وجرت على أمتنا خطوب في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه كنا فيها أضيع من الأيتام على موائد اللئام، وتداعت علينا الأمم كما تداعت الأكلة إلى قصعتها، وما كان ذلك من قلة، ولكننا كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ) غثاء كغثاء السيل، وزرع في قلوبنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت.

وكان نتاج هذه الجولة إقصاء الشريعة في ديار الإسلام عن الحكم وإحلال القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، وكانت الثمار المرة التي يتجرعها العالم الإسلامي وهذا الضياع الذي نعيشه والذي يلف العالم الإسلامي بأسره، فتلاعب بنا أعداؤنا كما يتلاعب الصبيان بالكرة.

إن الفرقة والتشتت الذي أصابنا بعد زوال دولة الخلافة وإقصاء الشريعة أضعفت قوتنا وأذهبت ريحنا؛ فاستطال علينا أعداؤنا وزرعوا فينا الفرقة والبغضاء فأصبح بأسنا بيننا شديدًا، وتقاتلنا وتناحرنا، ودمر بضعنا بعضًا، وسفك بعضنا دم بعض، تحت مسمع ومرأى أعدائنا.

وجاءت القوانين الغربية؛ لتمكن للفساد والإفساد في ديار المسلمين، لقد أفسحت هذه القوانين المجال للجريمة كي تطل برأسها وتضرب بجذورها إلى الأرض؛ فانتشرت الفواحش، وانتشر شر الخمر والمخدرات وجرائم الزنا وهتك العرض؛ لأنها لمجتمعات غير إسلامية تتسم بالانحلال وتمجيد الفاحشة والولوغ في الرذيلة.

إن القوانين الوضعية أذنت للمنافقين وأصحاب النفوس المريضة أن ينشروا الفاحشة في ديار المسلمين، وقد بلغ الأمر بأصحاب هذه النفوس أن ينزلوا في بعض البلاد إلى الأسواق؛ لينزعوا بالقوة الحجاب من فوق رؤوس المحجبات، كما بلغ الأمر بالقوى السياسية الحاكمة في بعض البلاد الإسلامية إلى منع المحجبات من دخول المدارس والجامعات، وغير ذلك الكثير والكثير من صور الفساد والإفساد في الأرض التي تخالف شريعة الله.

شريعة الله هي المنهج الحق الذي يصون الإنسانية من الزيغ ويجنبها مزالق الشر ونوازع الهوى؛ شفاء الصدور وحياة النفوس، ومعين العقول ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:57-58) .

الصفحة التالية