شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريقة أهل الكفر والعناد في معارضة الأنبياء وأتباعهم (1)

علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فطريق الهدى والإيمان قديم قدم الحق، وطرق الكفر والنفاق قديمة قدم الباطل، وأهلهما سائرون على هذه أو تلك ( كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) (الإسراء:84) ، ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيمًا ) (النساء:175) ؛ ولأن هؤلاء المؤمنين هم أتباع الأنبياء، والأنبياء أبناء لعلات دين واحد وشرائع شتى؛ تجد أن الله -تعالى- خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين، وأمرهم أن يسيروا على دربهم ويعتبروا بسِيَرهم؛ لذلك لما سمع المؤمنون قوله -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام:90) ، قالوا: ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (البقرة:285) .

ولما قرؤوا قوله -تعالى-: ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) (البقرة:87) ؛ علموا يقينًا أنهم مصيبهم لا محالة بعض ما أصاب هؤلاء الأنبياء فأشد الناس بلاء ( الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، ولما ( قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (آل عمران:173) ، هؤلاء هم المؤمنون وهذا هو دأبهم، على الحق ثابتون وفي طريقه سائرون ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) (الأنعام:112) .

وأما الكافرون وإخوانهم المنافقون؛ فعلى اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم كانوا دائمًا على الجانب الآخر قد ( شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (الأنفال:13) ، ( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) (الشعراء:5) ، فحاربوا المؤمنين واضطهدوهم، وما تركوا سبيلاً للصد والتكذيب إلا سلكوه ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) (الذاريات:52-53) ، وما تركوا صورة للعداوة والإجرام إلا وقد أتوها: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ) (الفرقان:31) ، ولجوا في الفُجر والخصومة ( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) (غافر:5) .

وفي هذه المقالات نعرض لبعض صور هذه العداوة وطرائقها التي تفننوا فيها عبر العصور وكر الدهور، ونرى كيف أن الكفر كله ملة واحدة، وأن المجرمين الأواخر ما زالوا على نهج الأوائل ( يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ) (المائدة:33) ، ونرى سويًا كيف جلَّى الله طريق الحق ووصف الثابتين عليه، وكيف بيَّن لنا طريق المعاندين وأوضح لنا صفاتهم المميزة وعلاماتهم المبينة.

وسنتكلم أولاً -إن شاء الله- عن الطريقة التي رأى بها هؤلاء الكافرون الإيمان والمؤمنين وحكمهم عليهم.

1- كيف قابل الكافرون دعوة الإيمان:

إن لكل سلوك فكرًا حثَّ عليه، ولكل بلية أصلا أدى إليها، فيا ترى ما أصل بلية الكافرين التي أصيبوا بها حتى يعاندوا ويكابروا رسل الله الذين جاءوا ( مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيمًا ) (النساء:165) ؟! وما السبب وراء كل هذه العداوة والتي واجهوا بها أنبياء الله ورسله وتابعيهم وما زالوا؟!

فأصل ذلك -والله أعلم-: "خراب العقيدة وفساد القلوب": فالكافرون موصوفون في كتاب الله بأنهم ضالون مضلون، فاسدون مفسدون، جاهلون لا يعقلون ولا يعلمون، ولا ينتفعون بالذكرى؛ أما ضلالهم فعبادتهم غير الله بعد أن خلقهم ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (لقمان:11) ، ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:54) .

ومن ضلالهم كذلك: شركهم بالله بعد ما تبين لهم الحق ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (الزمر:22) ، ( ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ) (محمد:3) .

ومن ضلالهم أنهم: ( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) (الأعراف:146) .

ومن ضلالهم كذلك: أنهم حريصون على إضلال غيرهم بشتى الطرق ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيرًا ) (النساء:89) .

وأما فساد أعمالهم وأخلاقهم فنابع من فساد عقيدتهم وانتكاس تصوراتهم، فأهل الكتاب مثلاً تراهم: ( يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (آل عمران:23) .

الصفحة التالية