شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مرور الأيام.. ووقفة محاسبة (خطبة مقترحة)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

التذكير بمرور الأيام، وماذا عملنا فيها، وليس المقصود التذكير ببداية العام ذاته.

1- أيام تمر.. وأجل يقترب:

- روى الحسن عن أبي الدرداء قال: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك".

- وقال بعض السلف: "كيف يفرح بمرور الأعوام من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟! كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وحياته إلى موته؟!".

- عام مضى سريعًا، وهكذا الدنيا: ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ . قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ . قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (المؤمنون:112-114) .

- قصيرة العمر كالزهور: قال الله -تعالى-: ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (طه:131) .

2- عام مضى فماذا عملت فيه؟

- أمهلنا الله -تعالى- فيه عمرًا لنعمل الصالحات: ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) (فاطر:37) .

- مضى بحسناته وسيئاته: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ )، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: ( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

- عمل صالح في الحياة الطارئة ينفع في الحياة الحقيقية: ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) (الفجر:23-24) .

- أعمال بالخير والشر نسينا كثيرًا منها، لا تُنسى عند الله: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) (آل عمران:30) .

- لن ينفع الندم بعد فوات العمر ومرور الأعوام: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (الكهف:49) .

3- من أحوال الصالحين مع العمر:

- كانوا يخافون أطول يوم يمر بهم، فاغتنموا الأيام القصيرة: ( إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) (الإنسان:10) .

- كانوا يخافون اليوم الذي يكرم فيه المرء أو يهان: ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) (آل عمران:106) .

- كانوا يعملون ويتعبون في الأيام القصيرة؛ طلبًا للكرامة في الأيام الطويلة: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) (الحاقة:24) .

- اغتنموا أيامهم وصحتهم قبل أن يسألوا عنها: ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ ) (رواه البخاري) .

أمثلة:

- قيل لسفيان الثوري: "اجلس معنا نتحدث"، فقال: "كيف والنهار يعمل عمله؟!".

- وقيل لكرز بن وبرة: "ألا تجلس معنا؟"، قال: "احبسوا الشمس لأجلس معكم!".

- وقيل: إن نوحًا -عليه السلام- لما حضرته الوفاة، قيل له: "كيف وجدت الحياة؟"، قال: "والذي نفسي بيده ما وجدت الحياة إلا كبيت له بابان: دخلت من هذا، وخرجت من الآخر!".

4- من ندم المفرطين حين حضرهم الموت:

- وقف عبد الملك بن مروان ينظر من شرفة قصره، فرأى غسالاً في الوادي يغسل الثياب، وهو ينشد سعيدًا، فلما حضرته الوفاة؛ تذكر الغسال، وقال: "يا ليتني كنت غسالاً.. يا ليتني ما عرفت الخلافة.. يا ليتني ما توليت الملك!".

- ولما حضرت الوفاة الوليد بن عبد الملك نزل مِن على فراشه، وجعل يمرغ وجهه في التراب، ويقول: "ما أغني عني ماليه، هلك عني سلطاني!".

- وأما هارون الرشيد الذي دانت له الدنيا، لما أكمل بناء قصره قبل موته بأيام، وحضرته الوفاة، جعل يتلفت إلى القصر والحرس والأمراء والوزراء، ورفع بصره إلى السماء قائلاً: "يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه".

5- أقسام الناس في عام مضى وانقسامهم في الأعمال:

طبقات الناس: "العلماء - الأمراء - عموم الناس شبابًا وشيوخًا".

فأما العلماء:

- فقسم خاف الله في علمه ودعوته: ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ ) (الأحزاب:39) .

- وقسم اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) (البقرة:159) .

وأما الأمراء:

- فقسم خاف الله يوم العرض الأكبر فأقام أمر الله في رعيته: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (الحج:41) .

- وقسم خان وغش الرعية: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلاَّ وَهُوَ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولاً حَتَّى يَفُكَّهُ الْعَدْلُ أَوْ يُوبِقَهُ الجَوْرُ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .

وأما عموم الناس:

فالشباب: قسم خاف الله وقضى عامه ينافس على الطاعات: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (رواه البخاري ومسلم) .

وقسم نسوا الله وضيعوا أوقاتهم في معصية الله: ( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وأما الشيوخ:

فقسم يستعد للقاء الله: كان أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- يصوم في الحر، يقال له: "أنت شيخ كبير"، فيقول: "إني أعده ليوم طويل".

- وقسم نسى الله وغفل عن الموت: ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) (فاطر:37) .

نسأل الله أن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها.