شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التماس العبر (خطبة مقترحة)

الشيخ ياسر برهامي • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن خسوف الشمس هو في الحقيقة رسالة مِن الله إلى عباده؛ لتجديد التوبة، واستئناف المسير إلى الله -تعالى- على الوجه الذي يُرضيه من الائتمار بأمره والانتهاء عما نهى عنه، فلابد أن نعي هذه الحقيقة جيدًا، ولا نغتر بالتفسير المادي لهذه الظاهرة بأنها مجرد اعتراض القمر بين الشمس والأرض؛ فيحجب الانشغال بتفسير هذه الظاهرة التفسير المادي القلوبَ عن المقدرة على فهم تلك الرسائل التي توقظ معاني الخوف من الله -تعالى-.

وقدرة الإنسان الاحتمالية على التنبؤ بموعد الكسوف لا تنفي كونه رسالة ربانية لتخويف العباد؛ فالله -عز وجل- هو الذي خلق الأرض والشمس والقمر، وهو الذي قدَّر مسار كل منها، وهو الذي قدَّر موعد حصول هذا الكسوف.

فالكسوف مِن آيات الله التي تدل على أن الكون يدبره العزيز، المقتدر، الواحد، القهار، وليس البشر، فلا تغرنكم أحوال الأرض، قال -تعالى-: ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) (الإسراء:59) ، فلما كسفت الشمس خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد مسرعًا فزعًا يجر رداءه فصلى بالناس، وأخبرهم أن الكسوف آية من آيات الله يخوف الله به عباده، وأنه قد يكون سبب نزول عذاب بالناس، وأمر بما يزيله؛ فأمر بالصلاة عند حصوله، والدعاء والاستغفار، والصدقة والعتق، وغير ذلك مما يدفعه من الأعمال الصالحة حتى يكشف ما بالناس، وفي ذلك الاستعداد بالمراقبة لله، والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يخافه.

وَكَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ ظَنَّ أَنَّ كُسُوفَهَا كَانَ لأَنَّ إبْرَاهِيمَ مَاتَ؛ فَخَطَبَهُمْ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: ( إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إلَى الصَّلاةِ ) (متفق عليه) . وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: ( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ ) (متفق عليه) .

وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُمَا سَبَبٌ لِنُزُولِ عَذَابٍ بِالنَّاسِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا يُخَوِّفُ عِبَادَهُ بِمَا يَخَافُونَهُ إذَا عَصَوْهُ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَإِنَّمَا يَخَافُ النَّاسُ مِمَّا يَضُرُّهُمْ، فَلَوْلا إمْكَانُ حُصُولِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ عِنْدَ الْخُسُوفِ مَا كَانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا، قَالَ -تَعَالَى-: ( وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا ) (الإسراء:59) .

وَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا يُزِيلُ الْخَوْفَ؛ أَمَرَ بِالصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِالنَّاسِ، وَصَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْكُسُوفِ صَلاةً طَوِيلَةً.

روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قالت: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ -وفي رواية: ( لا يَكْسِفَانِ ) - فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا -وفي رواية: ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ )، وفي رواية: ( فَافْزَعُوا لِلصَّلاةِ )، وقال أيضًا: ( فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ ) - يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟! )، وفي رواية: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟! ).

وفي رواية: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّم، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ ) (رواه مسلم) .

وفي حديث جابر -رضي الله عنه-: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَخْسِفَانِ إِلا لِمَوْتِ عَظِيمٍ وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُرِيكُمُوهُمَا فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ ) (رواه مسلم) .

الصفحة التالية