شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تنكيل الظالمين بالمؤمنين

علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين

ثم أضف إلى ذلك ما يجده ويشعر به من التفاف الناس حول الدعوة الجديدة، لا سيما إن وصلت للدائرة الضيقة المحيطة به بعد أن غمرت عامة الناس، فهاهو رجل صالح من آل فرعون يقول: ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) (غافر:28) ، وهاهي امرأة فرعون تقول: ( رب ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (التحريم:11) ، وأضف إلى ذلك أيضًا انكشاف ضعف أمره إذ خاب كيده في أمر السحرة، بل لقد انقلبوا على كفره وتمردوا عليه، وكانوا من قبل مِن خُلص جنده، وأقرب أصفيائه، وأقوى عُدده في معركة التخييل والتضليل والتلبيس على العامة!

فالآن هاهم السحرة يؤمنون بالدعوة الجديدة، ويعلنون التسليم في الحال بعد ما رأوا من الحق الناصع الذي ليس عليه غبار: ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ) (طه:70) ، وهنا كانت المفاجأة لفرعون، ووقعت الصدمة له وهو الذي ما اعتاد على مثل هذا من أتباعه، فقرصته إهانة "الأنا" المتألهة، فراح يلملمها بعد تبعثر؛ ( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) (طه:71) ، وكأن القضية هي أن يرجعوا إلى هذه "الأنا" المستعلية، ويستأذنوه حتى في قضية الإيمان، وليست قضية آيات بينات وحجج واضحات، وحق أحق أن يتبع، وتحجج بما يراه تمردًا، وزعم أن هناك مؤامرة تُحاك ضده ( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ ).

فما كان منه إلا أن ثار، وأرغى وأزبد، وتوعد بصنوف العذاب وأنواع التنكيل ما استساغ ذكره تفصيلاً واستمرأ التلويح به على هذا النحو؛ ( فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ )، وهو ما زال يصر على إشعارنا بانعدام حجته ليقارع بها حجتهم، وإفلاس منطقه ليغلب به منطقهم، بل يجيد بدلاً من ذلك لغة البطش وحدها: ( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ) (طه:71) .

أما المؤمنون الجدد فما رأوه مِن حق ثبَّتهم أمام ما سمعوه من وعيد شديد، وما علموه مِن وعد الله للمؤمنين أنساهم ما كان قد وعدهم به هذا الفرعون: ( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (طه:72-73) .

فالحاصل: أن القوم حينما تفلس حججهم ويتضح للملأ أنهم لا يملكون "القاعدة الأخلاقية" التي يحكمون بها الناس، ويواجهون بها دعوة أهل الإيمان؛ يظهر منهم -قولاً وفعلاً وسلوكًا- ما يفضح قلوبهم السوداء، ونفسياتهم المريضة، ورغباتهم المجنونة التي لا تجد وازعًا يردعها عن التنكيل بالمؤمنين عن طريق التعذيب والتشريد والتقتيل والإهانة والظلم والطغيان وانتهاك الحرمات، فهذه الحرمات ما هي إلا كلأ مستباح لشرورهم، وهذه الأجساد والأوصال ما هي إلا مرتع للفساد والعبث، وهذه الآلام الهائلة والدماء المتفجرة لا تزيدهم إلا بهجة وسرورًا، وهذه التأوهات والصرخات لا تزيدهم إلا طربًا وسعادة.. ( وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:132) .

ولا تظنن أن هذا الأمر مختص بفرعون؛ بل ما ذكرناه إلا مثلاً لمَن على شاكلته من أصحاب القوة والسلطة والجبروت ممن ينكلون بأهل الإيمان في كل أوان مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم، فهؤلاء أصحاب الأخدود لما جاءوا إلى ملكهم يبشرونه بما يسوؤه: "أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله وقع بك حذرك"، فنكلوا بالمستضعفين، ( وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (البروج:7-8)

القوم حينما تفلس حججهم ويتضح للملأ أنهم لا يملكون "القاعدة الأخلاقية" التي يحكمون بها الناس، ويواجهون بها دعوة أهل الإيمان؛ يظهر منهم -قولاً وفعلاً وسلوكًا- ما يفضح قلوبهم السوداء، ونفسياتهم المريضة، ورغباتهم المجنونة

وها هم أصحاب يس لما دعتهم رسلهم و( قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (يس:16-17) ، فإذا بهم يتوعدونهم أيضًا: ( لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (يس:18) ، وهاهو الرجل الصالح الذي آمن بهم يقول: ( يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) وبعد جهاده بكلمة الحق عند الجائرين واستشهاده في سبيل إيمانه قيل له: ( ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ ) (يس:26-27) .

وها هم المشركون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا وصفهم الله -عز وجل- بقوله: ( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ . اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ ) (التوبة:8-10) .

وها هو إبراهيم -عليه السلام- يعقد له قومه محاكمة صورية لتجميل الوجه القبيح -وما هم بفاعلين-، فحكموا عليه ظلمًا و( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ . فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ ) (الصافات:97-98) .

وحقًا قال ربنا في المشركين حيث حلوا: ( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) (الممتحنة:2) .

وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية