امشِ ولا تلتفت
مصطفى دياب • مع الدعاة
ولكن هذا كله لم يفت في عضده؛ إذا كان هدفه واضحًا: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر؛ ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" كما روي في السير.
ولما يأتيه خباب متألمًا من شدة العذاب قائلاً: " أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو لَنَا ؟"، فلا يدعو لهم؛ بل يوضح له طبيعة الطريق قائلاً: ( كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ) ، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .
وتأمل في ( وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ )، لا يلتفت عن هدفه وطريقه وعبادته وواجبه مهما اشتد العذاب، أو تعالت الأصوات الناعقة، فلا يضرنا نباح الكلاب.
لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا لأصبح الصخـر مثقالاً بـديـنار
أخي الحبيب..
يجب علينا أن ننشغل بتعبيد الخلق للخالق، وتعليمهم، وتربيتهم، وإرشادهم إلى الحق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والحفاظ على عقيدتنا ومنهجنا وثوابت ديننا، فزلزلة الثوابت أخطر على المسلمين مما عداها من البلايا، ولذا يجب أن نفوِّت على أعدائنا محاولة إقحامنا في أمور بعيدة عن أهدافنا وغاياتنا.
ولنتذكر.. قوله -تعالى- لنبيه لوط -عليه السلام-: ( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) (الحجر:65).
أخي الحبيب.. إن الطحالب العائمة لا توقف السفن الماخرة..
سنتفاعل مع الأحداث، ونتألم لمصاب المسلمين في كل مكان في بلادنا وفي غيرها، ومن سقط منا نرجو أن يكون شهيدًا، ونهتم ونغتم، ولكننا لن نتوقف، ولن ننحرف عن طريقنا وهدفنا إن شاء الله، وشعارنا دومًا: ( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ).
لقد كان مصاب الأمة في نبيها أعظم مصاب، لقد أذهل عمر، وأخرس عثمان، واضطرب الأمر حتى جاء الصِّدِّيق، فأسكت عمر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وتلا قوله -تعالى-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران:144) .
إن الحدث جلل، والأمر عظيم، ولكن فقدان الدين أعظم، فشمَّر الصديق لتحمل المسئولية قبل دفن الحبيب -صلى الله عليه وسلم-؛ لتستمر المسيرة، فهذه الدعوة لا تموت بموت رائدها.
( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ).
أخي الحبيب..
أنت بحمد الله صاحب المنهج السديد، والمسلمون هم الذين يملكون المنهج الوحيد لإنقاذ البشرية وإحداث التغيير، ولذا فالعالم بأسره يشعر بخطر انقراض الباطل وانتشار الحق وسرعة زحفه، فلا تدع المعوِّقات المصطنعة تلفتك عن هدفك الأسمى أو تفت في عضدك؛ فالعالم بأسره ينتظرك ( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ).
عارٌ على الدعاة والمعلمين أن يسبقهم ملحدٌ أو زنديق أو مشرك أو كافر أو منفذ للخطط الصهيونية، فاللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة.
أخي الحبيب..
لا تقنع بالدون؛ فالقانع قابع والتوَّاق سباق، و( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ) (الأعراف:128) ، وابنِ قلاعًا ولا تحفر قبورًا، وحافظ على لحوم العلماء، والزم غرزهم، وانشغل بطاعة ربك بكل حماس؛ فكلما شُغل العبد بالطاعة والعبادة؛ تكفل الله له برزقه.
أخي الحبيب..
( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:97-99) .
ولا تظن -أخي الحبيب- أن طريقك سهلة ممهدة؛ بل هي وعرة مخضبة.
أخي فامضٍ لا تلتفت للـوراء طريقك قـد خضبتـه الدمـاء
ولا تـلـتـفــت هـنـا أو هـنـاك ولا تـتـطلـع لغيـر السـمـاء
امشِ ولا تلتفت..
وصلِّ اللهم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.