قراءة في تاريخ الأمم
سعيد السواح • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكم نحن في حاجة ماسة للقراءة في تاريخ الأمم السابقة خاصة عندما يشتد الكرب والمحن؛ لنتعرف على سنن الله الكونية، وخير الكتب التي نقرؤها في هذا الموضوع "القرآن الكريم"، ولقد حوى "القرآن" الكلام عن الأمم السابقة، وهذا القصص لم يذكر في القرآن على سبيل التسرية أو التسلية، بل للعبرة والعظة، والثبات على الطريق ( وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ) (هود:120) ، وقال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (يوسف:111) .
فلنقرأ سويًا في تاريخ الأمم السابقة مِن خلال هذا العرض الذي اشتملت عليه سورة هود -عليه السلام-، فأول أمة ذكرت في هذه السورة وذلك بترتيب التواجد قوم نوح -عليه السلام-.
1- قصة نوح -عليه السلام- مع قومه:
فهذا نوح -عليه السلام- أول رسول أرسله الله -تعالى- إلى أهل الأرض لما ظهر الشرك بالله -تعالى-؛ فنادى نوح في قومه: ( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (الأعراف:59) .
فانقسم الناس تجاه هذه الدعوة إلى فريقين:
- فريق آمن بنوح -عليه السلام- وبرسالته.
- وفريق اعترض على دعوة نوح -عليه السلام- وتصدى لها وحاربها لوأدها.
الفريق الأول: مِن المستضعفين.
الفريق الثاني: الملأ الذي في يده القوة والبطش والمال والسلطة.
هذا الملأ "الأشراف والسادة والكبراء" سخروا مِن نوح -عليه السلام- وممن آمن معه، فقالوا لنوح -عليه السلام-: ( مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) (هود:27) .
موقف الداعي مِن هذا الهجوم الشرس الذي قاده السادة والكبراء:
( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ . وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ . وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ . وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) (هود:28-31) .
فانظر.. إلى قوة الداعي لدين الله -تعالى-، وحسن منطقه، وحسن ترتيب كلامه ودفاعه عن قضيته بلا عصبية أو تهور، بل انظر إلى سعة صدره وعدم مقابلة سفاهة هؤلاء الكبراء إلا بالحلم وسعة الصدر فهو صاحب قضية لابد له مِن التحمل في سبيلها، ولابد مِن تفنيد الأمور وحسن ترتيبها، ولابد له مِن حسن بيان ومنطق.
كيف قابل السادة والكبراء ما عرضه نوح -عليه السلام-: ( قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (هود:32) .
فانظر إلى جهلهم وشدة غبائهم.. وكيف يزيفون الحقائق؟! فمن المجادل: الذي جاء بالحق وعرضه بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة أم هذا الذي يُعارِض الحق الساطع المنير المبين برأيه وهواه؟!
- مزيد مِن الحلم وسعة الصدر ووضع الأمور في نصابها: ( قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (هود:33-34) .
فالأمور بيد الله وحده هو المتصرف -سبحانه- في كل شئون الكون بلا منازع أو ممانع، وأن الهداية والإضلال بيده وحده دون سواه، فمرجعهم جميعًا إلى ربهم فعنده يوم القيامة تجتمع الخصوم ليفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.
- فنوح -عليه السلام- لم يقصِّر في دعوته لإنقاذهم من الدمار والهلاك، ولذلك لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو ماضٍ في دعوته؛ لم يثنيه سفاهة هؤلاء القوم في رفضهم لدعوته، بل ومحاربتهم لها، ولم يقعده عدم استجابتهم في مضيه في الدعوة ليلاً ونهارًا، سرًا وجهارًا، يغشاهم في أماكنهم ونواديهم يدعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ) (نوح:5-9) .
بعد هذه المدة الزمنية التي قضاها نوح -عليه السلام- في دعوة قومه بلا ملل ولا سآمة وبلا إحباط أو هزيمة نفسية أو انهزامية يأتيه البيان من ربه: ( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) (هود:36-37) .
السرعة والاستجابة في التنفيذ بلا مناقشة وبلا إبداء رأي: فأمْر الله -عز وجل- غير قابل للمناقشة أو الاعتراض عليه أو إبداء الرأي: ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) (هود:38) .