حتى متى الغفلة؟
سعيد صابر • التزكية
ولو ذهبنا نفصل ونستقصي هاتيك الصور لتجرد الموقع لذلك، ولربما كانت التتمة في مواقع أخر.
إلا أننا نقفز إلى آخر ورقة في هذا السجل الحافل، وقد تعرضت لذكر صورة من أسوأ صور الغفلة، ألا وهي: الغفلة عن ذكر الله بقلوبنا وأرواحنا وألسنتنا، ويكمن سوء تلك الصور وبشاعتها بما يزيد على أخواتها أن الذكر مبذول لكل الناس لا يحتاج إلى كثير كلفة، ومع ذلك فأمة منا لا يستهان بها تفشل حتى في هذا المشعر السهل الهين اللين الذلول المنقاد.
ولعل السبب الرئيسي في غفلتنا عن الذكر هو غفلتنا إخوتاه عن الأرباح الخيالية التي تنجم عن هذا المشروع الضخم، وإن تواطأ القلب واللسان على ذكر الله لهو أعظم نعيم، يتنعم في العاجل والآجل؛ فما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله.
وما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤيته، فلا يشغلنك أخي الرزق عن الرزاق، ولا الخلق عن الخلاق، ولا النعم عن المنعم، وإذا كان الكون بسمائه وأرضه وبره وبحره، وجبله وسهله، يسبح بحمد الله؛ فكيف نغفل نحن معاشر المكلفين عن هذه المنظومة الإيمانية وتلك الثلة الذاكرة، يقول -عليه الصلاة والسلام-: ( مَا تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الله إِلاَّ سَبَّحَ الله بِحَمْدِهِ إِلاَّ مَا كانَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَأَغْبِيَاءِ بَنِي آدَمَ ) (أخرجه أبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) (النور:41) ، فسبحان من سبحت له السماوات وأفلاكها، والأرضون وأملاكها، والبحار وحيتانها ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (الإسراء:44) .
الشمس والقمر من أنوار حكمته والبر والبحر فيض من عطاياه
الـوحش مجـده والـكـون سبـحـه والموج كـبره والحـوت نـاجـاه
والنمل تحت الصخر الصم قدسه والـنحل يهتف حمدًا في خلاياه
والناس يعصونه جهرًا فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه
كفانا غفلة وهلموا إلى يقظة عاجلة فرب شروق بلا غروب، ورب ليل بلا نهار، وكم من رجل أصبح من أهل الدنيا وأمسى من أهل الآخرة.
كفانا غفلة وإلا فإن الأمر والله لجد خطير.
أمــا والـلـه لـو عـلـم الأنــام لما خلقوا لما غفلوا وناموا
لـقـد خـلقـوا لـما لو أبصرته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
مـمـات ثـم قـبـر ثم نـشر ثم حشر وتوبيخ وأهوال عظام
ليوم الحشر قد عملت رجال فصلوا من مخافته وصـاموا
ونحـن إن أمـرنا أو نـهـيـنا كـأهـل الـكـهـف أيـقـاظ نيام
أيها الأحبة:
طال ليل الغفلة وضجت أسرة الكون من كثرة نومنا وطل سباتنا، وضجيج شخيرنا، وقد آن الأوان أن نستيقظ.
فتنبهوا... !
تـــنـبـهـوا يــا رقـــود إلــى مــتـى الجــمـود
فــهـــذه الـدار تــبـلـى ومـا عــلـيـها يــبـيــد
الـخـيـر فـيـهـا قـلـيـل والــشــر فيها عـتـيـد
والعـمـر يـنقص فيها وســيــئـات تــــزيـــد
فاستكثروا الزاد منها إن الـطــريق بعـــيــد
اللهم إنا نعوذ بك من القسوة والغفلة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.