لماذا قلنا: نعم؟ ولماذا قالوا: لا؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
فلماذا ـ إذن ـ اختزال شباب الثورة في المجموعة غير السياسية من الشباب مع أن المسيسين كانوا أكثر؟!
نعم، تم الاتفاق على عدم تسييس الثورة، ولكن كانت كل الاتجاهات ممثلة، وعدد غير المسيسين ـ أصلاً ـ كان قليلاً، ثم سرعان ما أعلنوا عن مشروعات أحزاب سياسية.
ثم إنَّ جعل المشروعية مشروعية الثورة استبداد شمولي يفوق استبداد ثورة يوليو، لا سيما أن "فاتورة الثورة" لم يدفعها محتجو التحرير فقط؛ فبينما كانت كاميرات الإعلام العالمي تقدم قدرًا مِن الحماية لمحتجي التحرير؛ كان البلطجية يقتلون وينهبون؛ حتى يثور الشعب على الثوار، ولكنه لم يثر - بفضل الله -، ثم بفضل التواجد الإسلامي ـ لا سيما "السلفي" في الشارع المصري ـ.
إن الشعب قد تحمل الخوف والنقص في المؤن والعطلة في الأعمال، ولو أننا افترضنا أن الشعب كان مؤيدًا للنظام أو محايدًا ـ على أقل تقدير ـ؛ لما جاز أن تُسمى هذه ثورة، ولما أصبحت لها أي مشروعية.
فلماذا يقولون: الشعب يريد إسقاط النظام، والشعب يجب أن يصبر حتى يسقط النظام، ثم يقولون: متظاهرو التحرير يريدون وضع الدستور منفردين؟!
ثم مَن الذي يضمن لنا مَن سيخرج إلى التظاهر في التحرير؛ إذا دعوا إلى ذلك؟! أو مَن سينضم إلى كيان هو ممن خرج إلى التحرير قبل تنحي الرئيس؟!
إن ادعاء أن المشروعية هي مشروعية التحرير، ثم ادعاء أن ذوي "الكرافتات الأنيقة" هم مَن يملك التحدث باسمهم هو نوع مِن السرقة المركبة للشعب أولاً، ثم لمتظاهري التحرير ثانيًا؛ فإذا كان شعار التحرير: "الشعب يريد إسقاط النظام"، فليكن الشعار القادم: "الشعب يريد أو لا يريد التعديلات الدستورية".
السبب الثالث:
اعتراضهم على منع مزدوج الجنسية والمتزوج بأجنبية مِن الترشيح، ونحن نقول: إن الاشتراطات الخاصة برئيس الجمهورية مِن الناحية الشرعية مطلوب أن يزاد عليها شروط تضمن ولاءه لأمته، ولكن وضع هذه الشروط قد يكون غير متيسر الآن؛ فلا أقل من استبعاد من أصبح ولاؤه منقوصًا بحكم العرف الدستوري المصري منذ نشأته.
وهذا يختلف حتى مِن وجهة النظر الديمقراطية في بلد مثل مصر تعرض لاحتلال وحروب عن بلد آخر قائم على الهجرة، ومعظم أبنائه مزدوجو الجنسية، ومع هذا يتعرض مَن هناك شبهة نقص في ولائه لهجوم شرس كما تم في حالة "أوباما"، مع أن "أمريكا" دولة مؤسسات بكل ما تحويه الكلمة مِن معانٍ، ومِن ثمَّ فإن استبعاد كل مَن يوجد احتمال في نقص ولائهم أمر مطلوب، وليس هذا طعنًا في كل مزدوج جنسية، ولكنه احتياط اقتضته طبائع الأمور.
والعجيب: أن الدكتور "البرادعي" يصرِّح بأنه ليست معه جنسية أخرى، وأن زوجته مصرية؛ فلمَ افتعال المشكلات ـ إذن ـ؟!
ثم إن مزدوج الجنسية لا يحصل عليها في الغالب إلا بعد هجرة طويلة أو دائمة إلى البلاد الأخرى؛ فكيف يمكن أن يهبط أمثال هؤلاء بالبراشوت؛ ليتبوءوا رأس الهرم في السلطة التنفيذية؟!
ومِن طرائف الأمور: ما أدلى به الدكتور "البرادعي": إنه عندما جاء لتعزية أسرة "خالد سعيد" في الإسكندرية كانت المرة الأولى في حياته التي رأى فيها "الأمن المركزي"!
ولا ندري كم مِن الأمور المركزية الأخرى في مصر التي لم يرها الدكتور البرادعى مِن قبل؟!
وكم مِن الأمور التي رآها وأحبها وتشبع بها في حياته خارج مصر، ومنها: الليبرالية الأخلاقية؟! ولا مجال للخوض فيما هو أكثر من ذلك الآن!
ثم إن مَن يتابع ما أشيع مِن أن الرئيس السابق فكَّر في التنحي مبكرًا، وأن الابن وأمه هم مَن حاول مِن خلال بعض الساسة عرقلة التنحي؛ يتبيَّن له أن الانتماء إلى جنسية أخرى ولو مِن زوجة الرئيس خطر في حالة مثل الحالة المصرية.
السبب الرابع:
يدعى هؤلاء أن الدستور الحالي يجمع الصلاحيات في يد الرئيس مما يهدد بوجود طاغية آخر.
وهؤلاء يغفلون أن الرئيس لم يتوحش إلا بعد تزوير مجلس الشعب، وأن السنوات الأولى مِن حكم أي رئيس - مهما أعطاه الدستور مِن صلاحيات - تكون أقرب إلى مراعاة المصلحة، وأن تقييد مدة حكم رئيس الجمهورية كافية في المرحلة الراهنة حتى ننتقل بسرعة إلى الحكم الطبيعي.
السبب الخامس:
ادعاء أن الدستور سقط بقيام الثورة.
وقد تناسى هؤلاء أن القوات المسلحة التي ابتهج الثوار عندما آل الحكم إليها قامت على أساس هذا الدستور، وأنها تولت الحكم بناء على تنحي الرئيس السابق الذي تنحى لصالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ففي ادعاء سقوط الدستور ادعاء لسقوط القوات المسلحة مما يعني: سقوط الدولة ككل!
ثم إنها مسألة شكلية.. لا ندري وجه اهتمام اللبراليين الذين ما يفتأون يدعوننا إلى تطبيق روح الدين، وترك قشوره - التي تشمل عندهم كل التشريعات العامة، وجزءًا مِن العبادات -، ثم يتمسكون بشكلية سقوط الدستور مثلاً!
الحاصل أن: العالمانيين يقولون: لا؛ لأنهم يحتاجون أن يقوموا بحالة إبقاء للوضع على ما هو عليه حتى ينظموا صفوفهم، فهم يعطلون الجدول الزمني للإصلاح ليس إلا؛ بينما يقول الإسلاميون: نعم؛ لأسباب بيناها مِن قبل.
منها على سبيل الإيجاز:
1- تثبيت المادة التي تقول: "إن الإسلام هو دين الدولة الرسمي".
2- تثبيت أن الشريعة هي: "المصدر الرئيسي للتشريع".
3- وبالجملة فالدستور السابق أكثر محافظة على الهوية مما يرتب له العالمانيون والليبراليون.
4- منع مزدوج الجنسية مِن قيادة البلاد في وقت تتربص فيه دول العالم بنا، وتريد أن تقودنا عن طريق وكلائها.
5- لأنها نزعت مِن الرئيس أهم سبب من أسباب طغيانه وهو طول فترة حكمه؛ لأنها نزعت ممن يشغل منصب الرئيس أهم ما يغرى حكام زماننا بالطغيان؛ وهو طول فترة حكمهم، وأما باقي الصلاحيات ـ على اتساعها ـ فلم تكن سببًا في الاستبداد، والفترة الأولى مِن حكم الرئيس السابق تشهد بهذا.
6- لسرعة إنجاز مهام الفترة الانتقالية؛ ليتفرغ الجيش لحماية الحدود، ونسارع بعجلة العودة إلى الحياة الطبيعية، ونعود ندعو قومنا إلى مزيدٍ مِن العودة نحو الإسلام: حكامًا ومحكومين.
7- لسرعة عودة الصورة الطبيعية للحالة الاقتصادية، وتهيئة مناخ الاستثمار؛ وإلا كانت الثورة سببًا لتأخر الاقتصاد، لا لتقدمه.
إخواننا الأعزاء: