شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بين فقه الجندية وفن الأدوار

أحمد خليل خير الله • مع الدعاة

فقه الجندية: يعني أنه إن لم أجد لنفسي دورًا أقوم به سأسعى لأصنع لنفسي دورًا؛ كنعيم بن مسعود -رضي الله عنه- في الأحزاب: "فأخذل ما استطعت", أو كأبي بصير في الحديبية فأرجح كفة أهل الإسلام.

فقه الجندية: يعني أن أكون على أتم الاستعداد على تلبية أعذب نداء: "يا خيل الله اركبي".

حتى لو كنت مع عروس في أحلى اللحظات كحنظلة -رضي الله عنه-.

فقه الجندية: أن أثق في القيادة -لا أقدسها-، وأن أدعو لها بالسداد والتوفيق -لا بالعصمة-، وأطيع في المعروف: كالصحابة مع عمرو بن العاص -رضي الله عنه- في ذات السلاسل.

فقه الجندية: أن أتقن عملي وأؤدي مِن غير تشغيب أو سفسطة؛ لعدم وجود المعطيات التي يمتلكها القيادة، وليس مطلوبًا مِن القيادة -على الدوام- أن تفصح لي عن كل صغيرة وكبيرة، مثل موقف الصحابة يوم الحديبية "بالطبع مع وجود الوحي الأمر يختلف، ولكن قصدي في المنهجية".

فقه الجندية: أن أقدر عملي ولا أحقره حتى ولو كان صغيرًا؛ لأني لا أنظر إلى صغير العمل، ولكن أنظر إلى العظيم ربي الذي أعمل له -جلَّ وعلا-.

فقه الجندية: كلمة قالها "نابليون": "جيش مِن الأرانب يقوده أسد خير مِن جيش مِن الأسود يقوده أرنب", نقول لنابليون: شكرًا على كلمتك، ولكن عندنا في الإسلام جيش مِن الأسود يقوده أسد خير عندنا من كل جيش، والأمثلة مِن المعارك الإسلامية كثير، وتكفي حروب الردة في الاستدلال.

فقه الجندية: يتلخص في هذا الحديث الشريف، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ ) (رواه البخاري) .

أما فن الأدوار:

فيعني جيش كبير يقوده قائد عظيم: كخالد بن الوليد -رضي الله عنه-، ربما كان فيه جندي عظيم اسمه معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، أو حلقة علم فيها عالم عظيم كمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- فيها طالب عظيم اسمه خالد بن الوليد -رضي الله عنه-.

فن الأدوار:

يعني أبو هريرة -رضي الله عنه- يحفظ، وأبو بكر -رضي الله عنه- يقود، وزيد بن ثابت -رضي الله عنه- يتعلم اللغات، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقرأ القران ويعلمه، وأبي بن كعب -رضي الله عنه- يعلم العلم.. والأدوار واضحة, والكل -رضي الله عنهم ورضوا عنه-.

داوود -عليه السلام- جندي وطالوت قائد، والنتيجة جيش ناجح ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (البقرة:251) .

فقه الأدوار يعني أن يجيد الكل دوره، إما:

1- مفكر: يجيد التفكير والتحليل وعرض الرؤى.

2- مخطط: يأخذ وينتقي مِن هذه الأفكار ما يخدم الأهداف.

3- قائد: يجيد التعامل مع البشر والتواصل معهم والتأثير فيهم.

4- مروج: يحسن عرض الفكرة والدعاية لها.

5- منفذ: جندي مقاتل يؤدي ما عليه وينفذ بإتقان.

6- مراقب فقيه: يحفظ اللوائح والقوانين ويعدل الخلل ويوجه.

7- محب متربي: على هذه الأدوار الست يفهمها ويراها مجسمة في قدوات، ليتقن إحداها أو بعضها أو كلها بقدر توفيق الله وعونه واجتهاده هو.

سلمان -رضي الله عنه- رغم أنه حديث عهد بإسلام يقترح فكرة إستراتيجية يُسخر لها الجيش، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ينصت لها، بل وينفذها ويصبح الخندق (خندق سلمان)! جنود مؤدون مبدعون، وقائد ينصت ويحتوي ويحترم مَن تحته.

فقه الجندية وفن الأدوار:

أن يقترح الخباب بن المنذر -رضي الله عنه- في بدر تغيير موقع الجيش، والقيادة توافق دون تردد لوجاهة الاقتراح. (القيادة الشورية هي السبيل الأمثل لتعليم فقه الجندية، وفقه الجندية هو السبيل الأمثل للقيادة الشورية).

الأمة تحتاج إلى طالوت وإلى داوود:

داوود الجندي مَن أحسن الجندية وقام بالدور.

وتحتاج إلى طالوت القائد الذي يسمع وينصت، ويكون قويًا أمينًا لقيادة أمة.

لذا لابد مِن التنبه المستمر مِن فيروسات التدمير لمنظومة (داوود طالوت) في القيادة والجندية فهي أخطاء يقع فيها كل طرف

أولاً: من جهة الجنود:

1- سوء الأدب في التعبير عن الرأي مع التحدث مِن غير علم أو معطيات.

2- التسرع المتهور والحماس العشوائي.

3- النفاق المقنع بداعي الأدب أو أن القيادة تعرف كل شيء عن أي شيء فينتج عنه السكوت عن الحق.

4- روتينية المهام حين تُؤدى مَن غير روح.

ثانيًا: أما مِن جهة القيادة:

1- عدم الإنصات أو الإنصات الانتقائي.

2- احتكار الرأي.

3- الحرص على تربية النسخ لا القادة، وأزعم أن القائد الذي لا يخرج قادة ليس بقائد.

4- مرض (الشخصنة) وهي أن يُبنى النظام على مزاجية القائد لا فاعلية النظام، وحلها أن يبنى النظام على المنهجية لا على المزاجية، وما يحدث في غياب القائد مؤشر لاستمرار المرض أو الشفاء منه.

أخي طالوت: "القيادة ليست هي تأثيرك وأنت موجود بين أفراد فريقك، بل هي ما يفعلها أفراد فريقك في غيابك"، ولعلنا نطلق على هذه القاعدة: (أم القواعد القيادية).

أما المشترك فهو:

1- عدم التجرد واتباع حظ النفس (الأجندة الخاصة).

2- الخلافات الشخصية التي إن لم تحتوي تتحول بطول العهد إلى خلافات منهجية فكرية.

ولعل قاعدة: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى:38) ، هي العلاج الأنجع لهذه الأمراض.

أدعو نفسي بمثل ما أدعو به شباب أمتي.

مضى زمن الأقوال، ولا صوت يعلو على صوت الأفعال.

أخي داوود: كفى كلامًا فالعامل متكلم ولو سكت.

أخي داوود: كن مشروعًا أو فكر في مشروع أو شارك في مشروع أو كن بعضها.

أحسن جنديتك وقم بدورك.

أخي داوود: لا تخذل طالوت (لو خضت البحر لخضناه معك)، سعد بن معاذ -رضي الله عنه- يوم بدر.

أخي طالوت: افهم داوود، واغتنم كل ذرة مِن طاقته.

والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد (أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-).

أخي داوود: كن أنت الإنجاز الذي تريد أن تراه في دعوتك.

أخي طالوت: كلنا ثقة بك فاعمل -بإذن الله- (واعلم أن القائد لا يستحق لقب قائد ما لم يكن مستعدًا؛ لأن يكون وحده أحيانًا).

الصفحة السابقة الصفحة التالية