فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون
محمد القاضي • التزكية
فهؤلاء الذين ينبغي أن يحذرهم الداعية على دعوته, فالذين يشنون هذه الحملة الهوجاء على رموز الدعوة السنية في بلادنا إنما يريدون دفع الدعوة إلى هذه الخفة والطيش وذلك بتبني مسالك العنف وسفك الدماء والدخول في مصادمات دامية يدفع ثمنها كاملاً الإسلام والمسلمون عمومًا والدعوة والدعاة خصوصًا، هذه الخفة التي لا نقبلها ولا نراها مسلكًا لبلاغ الدعوة إلى الناس.
وقد كان موقف الدعوة واضحًا ولا يزال من هذه الطرق والمسالك, وكانت ولا تزال أول من منع منها وحض الناس على تركها؛ فهذا الاستفزاز المستمر غرضه خبث وباطنه شيطاني، وقد كان لنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، وهو يقول لمن بايعه من أهل الإيمان الذين دفعتهم العاطفة الإيمانية القوية والتي لم تكن انضبطت بعد بالمفاهيم الشرعية الرصينة عندما استأذنوه أن يغيروا على أهل هذا الوادي، فقال لهم: إني لم أؤمر بذلك، في صورة واضحة للثبات والرصانة والتمسك بإتباع الشرع في كل موطن وفى كل حين وعدم إطلاق العنان للعواطف وانه لا ينبغي أن يسود مبدأ من يقدر على شيء يفعله وإنما نفعل ما نؤمر به.
وهذا أيضًا ما وقع يومًا من بعض أهل البدع لعلى -رضي الله عنه- في صلاته، ففد اخرج الطبري في تفسيره: قال: "حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) قال: قال رجل من الخوارج خلف عليّ في صلاة الغداة: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) فأنصت له علي -رضي الله عنه- حتى فهم ما قال؛ فأجابه وهو في الصلاة: ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ )".
فانظر إلى حاله -رضي الله عنه- وهو يستقبل هذا الاستفزاز بالإنصات أولاً، ثم بالفهم ثانيًا وبالرد المناسب ثالثًا، وهذا يدل على عمق علمه وقوة فهمه -رضي الله عنه-، ونحن نأتسي به عندما نواجه مثل هذه الاستفزازات والدعاوى الباطلة نرد بمثل قوله -تعالى-: ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) (الأعراف:89) ، وقوله -تعالى-: ( فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) (الأعراف:87) ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
3- الذين يدعون إلى مثل هذه المهاترات هم أهل البدع والضلالات وأصحاب الأهواء، وعباد الدراهم والدنانير، والجاه والسلطة والشهرة، وقد جاء وصفهم في هذه الآيات بالجهل وعدم اليقين, فالذي يقوم بمثل هذه الحملات المشبوهة على رموز السلفية بين الحين والآخر إنما يفعل ذلك قطعًا مِن أجل الدنيا وما يبحث له فيها عن متاع فان، ولا يريد بذلك وجه الله.
بل في الحقيقة: إن أمثال هؤلاء بمشاربهم العلمانية المعروفة يحاربون الإسلام باسم التطرف ويصدون الناس عن الحق بتشويه صورة الدعاة، وهؤلاء لهم نصيب من قوله -تعالى-: ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ . أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ . لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآَخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ ) (هو:19-22)
هذا وعد الله الذي لايتخلف أبدًا فلا تحسبوه شرًا لكم، بل هو خير لكم, فمع الصبر والثبات يأتي النصر من الله للدعوة وللدعاة
فلن تنفعهم يوم القيامة الأجندة الغربية، ولا الأموال الطائلة التي يدفعها مَن يريد النيل من الرموز السنية في هذه البلاد؛ لغرض تنفير الناس عن اتباع المنهج السني الصافي من الشيعة وغيرهم.
فقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره ما ملخصه: "يبين -تعالى- حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق: من الملائكة، والرسل، والأنبياء، وسائر البشر والجان، كما قال الإمام أحمد: حدثنا بَهْز وعفان قالا أخبرنا هَمَّام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن مُحْرِز قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يقول: ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ( هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (هود:18) . أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث قتادة به، وقوله: ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) أي: يردُّون الناسَ عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله -عز وجل-، ويجنبونهم الجنة.
( وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) أي: ويريدون أن يكون طريقهم عوجًا غير معتدلة، ( وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها، ( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ) أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة، ولكن ( يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ ) (إبراهيم:42) .