شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شمولية الرؤية وأثرها في وحدة الصف

حاتم الحاج • قضايا معاصرة

أليس تحقيق مناط الأحكام مِن الاجتهاد الذي لا ينقطع حتى تقوم الساعة كما ذكر الشاطبي -رحمه الله-؟ أوليس أكثر ما يكون مِن خلاف بين العاملين للإسلام إنما هو مِن هذا الباب، وفي هذه المرحلة مِن مراحل صناعة الفتوى.

ومما يغيب أيضًا: أن الإخوان وإن كانوا جماعة واحدة فهم ليسوا على قلب رجل واحد، والسلفيون كذلك، بل إن الله قد وصف أصحاب رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهم صفوف حوله في ساحة الوغى فقال: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) (آل عمران:152) ، ثم يمتن الله على الجميع فيقول: ( وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:152) .

أليس يمكن أن يكون بيْن هؤلاء وأولئك مَن هو أشد بأسًا ومَن هو دون ذلك، وآخر أشد ورعًا وغيره دون ذلك، ومَن أعطي قوة علمية، ومن أعطي قوة عملية، ومن هو أعظم همة في الإقدام على الطاعات، ومَن هو أملك لنفسه في الإحجام عن المحرمات، ومَن فتح عليه في باب من الخير، ومَن فتح عليه في باب آخر؟!

ومما يغيب عن كثير مِن الناس: أن القسمة على اثنين أدعى لحصول الشقاق والنزاع، وقد كان مِن المشايخ مَن يمازح صاحب الزوجتين بأنه لن يستريح باله حتى يضم إليهما ثالثة! فما بالنا أهملنا أن العمل الإسلامي فيه تيارات أخرى لا تنسب إلى أحد هذين التيارين؟!

إن كثيرًا مِن الساسة والمفكرين في الولايات المتحدة يحبذ إنشاء حزب ثالث؛ لتنكسر ثنائية الديمقراطيين والجمهوريين التي يرونها أضرت بالبلاد، وأوصلتها إلى مرحلة مؤسفة مِن الانقسام قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.

إننا لا ندعو إلى الفرقة، بل الوحدة، ولكن وحدة القلوب والصفوف لا وحدة الآراء؛ فتلك الأخيرة وإن سعينا إليها قدر الجهد، فنحن ندرك أنها لم تتحقق لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى في حياته -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم عندما غابوا عنه فاجتهدوا؛ جرت فيهم سنة الله في اختلاف الناس.

إن الاعتراف -أولاً- بأن السلفيين ليسوا شيئًا واحدًا سيكون مهمًا، وفي صالح السلفية التي ينبغي ألا تُربط بفريق أو جماعة، بل تسري في بدن الأمة كالماء في الورد، ولا أرى يروج لغير ذلك إلا رجل مِن داخلها أراد احتكارها لنفسه أو طائفته، وآخر مِن خارجها أراد هدمها بفعل بعض المنتسبين إليها، ثم يأتي دور إدراكنا أن هناك مِن عباد الله الصالحين مَن لا يُنسب إلى هؤلاء أو أولئك، وليس المنتسبون بأولى منهم بالعمل الإسلامي، ولا أقرب سببًا.

ومما يغيب عن هؤلاء: أنهم بنشر طعنهم في بعضهم البعض على رؤوس الخلائق إنما يحققون ظن الكارهين لهم في أنهم متى تمكنوا بغوا، وكان بأسهم بينهم شديدًا قبل أن يكون على غيرهم!

أنا لا أدعو إلى رص الصفوف في مواجهة أحد مِن عموم المسلمين، بل عكس ذلك أردت؛ ألا يبغي أحدنا على أحد، وألا نرى لأنفسنا فضلاً على أحد، وأن يكون ولاؤنا للحق؛ معه ندور، وتعاوننا على البر مع كل مريد له نصول ونجول، ولكن الذي ينبغي علينا إذ نختلف هو أن نُري الناس منا حكمة ونبلاً في إدارة الخلافات وحل النزاعات بما يحفظ الحقوق، ويصون الحرمات.

بذلك نُسهِم في ترشيد الحوار بيْن أبناء الوطن كلهم؛ ليعلو صوت الحق والحكمة فوق رجيع الأصوات، ولا يحول بينه وبين ألباب المتحاورين نفخ الشياطين.

لعلي اقتربت بكم مِن تفاصيل الصورة كثيرًا، ولست أقصد مِن ذلك نفي كل فرق بيْن ذينك التيارين المذكورين، ولكن مع كثرة ما ننظر إلى الصورة مِن بُعد، نحتاج إلى ساعة نقترب فيها؛ ليحصل لنا مِن التوازن ما أرجوه لنفسي، ولمن يقرأ تلك السطور وسائر المسلمين.

وصلى الله على محمد، وآله وصحبه.

الصفحة السابقة