شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الصحبة وأثرها في السلوك

حنفي مصطفى • التزكية

أنت في الناس تـقـاس بالـذي اخترت خـليـلاً

فاصحب الأخيار تعلو وتـنـل ذكــرًا جـمـيـلاً

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

قال ابن القيم -رحمه الله-: "لما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه؛ نبَّه الله -تعالى- على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم الذين: ( أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) (النساء:69) ، فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم؛ ليزول في الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط: هم الذين أنعم الله عليهم؛ فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف: "عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين"، وكلما استوحشت في تفردك.. فانظر إلى الرفيق في السابق واحرص على اللحاق بهم، وغض الطرف عمن سواهم فإنهم لن يغنوا عنك مِن الله شيئًا، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم؛ فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك".

ثم قال -رحمه الله-: "القصد أن في ذكر الرفيق ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم، وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت: ( اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) أي: أدخلني في هذه الزمرة، واجعلني رفيقًا لهم ومعهم.

ولله در أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذ يقول: "عليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم، فإنهم زين في الرخاء وعدة في البلاء".

فصاحب يا أخي أهل المعاني؛ المتيقظين للدقائق والثواني، فإن صحبة هؤلاء تُعلِّم منافسة الزمان، واحترز عن مجالسة صاحب السوء، فقد قيل: "الصاحب ساحب".

فإن فقدت في زمننا هذا الصاحب الصالح الصادق فعليك بصحبة السلف الصالح في سيرهم وتراجمهم، فصاحبهم في الكتب، فقد كان الناس إذا رأوا وجه "وكيع بن الجراح" -رحمه الله- قالوا: "هذا مَلك"! وإذا رأوا وجه "محمد بن سيرين" سبحوا الله لمخايل النور التي على وجهه!

قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "نظر المؤمن إلى المؤمن يجلو القلب، ونظر الرجل إلى صاحب بدعة يورث العمى، مَن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة".

قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: "إذا نظرت إلى الفضيل جدد لي الحزن ومقتُ نفسي، ثم بكي".

ولله در مَن قال:

تـعـللا إن حرمنا طـيـب رؤيـتهم مَن فاته العين هد الشوق بالأثر

فإن أخبار العلماء العاملين والنبهاء الصالحين مِن خير الوسائل التي تغرس الفضائل في النفوس، وتدفعها إلى تحمل الشدائد والمكاره في سبيل الغايات النبيلة والمقاصد الجليلة، وتبعثها إلى التأسي بذوي التضحيات والعزامات؛ لتسمو إلى أعلى الدرجات وأشرف المقامات.

وسماع أخبار الصالحين لذة ما تفوقها لذة، وخير وسيلة لإشعال العزائم وإثارة الروح الوثابة، قدح المواهب وإذكاء الهمم و تقويم الأخلاق والتسامي إلى معالي الأمور، والترفع عن سفسافها، والاتساء بالأسلاف الأجلاء هو قراءة سير نبغاء العلماء الصلحاء، والوقوف على أخبار الرجال العظماء، والتملي من اجتلاء مناقب الصالحين الربانيين، والاقتراب من العلماء النبهاء العاملين المجددين؛ فذلك خير حافز لرفع الهمم وشد العزائم وسمو المقاصد، وإنارة القلوب وإخلاص النيات، وتفجير النبوغ والطاقات المدفونة، والصبر على اجتياز العقبات الصعاب، واحتلال ذرا المجد الرفيع، وكسب الذكر الحسن، واغتنام الباقيات الصالحات.

فنسأل الله -جلَّ وعلا- بأسمائه الحسني وصفاته العلى أن يجعل لنا إخوان صدقٍ، وأصحاب نصح نبلغ بهم الكمال وحسن الأفعال، وجميل الأخلاق والصفات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقدمة بتصرف مِن كتاب: "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ.

الصفحة السابقة