الأدب مع المخالف
ياسر عبد التواب • مع الدعاة
ونبراسنا في هذا: ما جاء في الحديث عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رضي الله عنه- قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ. فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟ ) قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلاحِ. قَالَ: ( أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟ )، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. (متفق عليه) .
فمن الإنصاف: أن لا نسيء الظن بغير بينة واضحة؛ بل يجب أن نكف في حال اللبس حتى تكون الصورة واضحة جلية، روي أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الشهادة، فقال له: "هل ترى الشمس؟". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع" (رواه الحاكم والبيهقي، وضعفه الحافظ ابن حجر وغيره، وقال ابن حزم -رحمه الله-: لا يصح سنده، لكن معناه صحيح) .
يقول ابن القيم -رحمه الله-: "وكل أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه مِن الألفاظ، ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه مِن الألفاظ، ومَن رزقه الله بصيرة؛ فهو يكشف به حقيقة ما تحت تلك الألفاظ من الحق والباطل، ولا تغتر باللفظ".
كما قيل في هذا المعنى:
تـقـول هــذا جنى النـحل تمـدحـه وإن شـئت قلت ذا قيء الزنابـيـر
مدحًا وذمًا وما جاوزت وصفهما والحـق قـد يعـتـريه سوء تعـبيـر
فإذا أردتَ الاطلاع على كنه المعنى: هل هو حق أو باطل؟ فجرده من لباس العبارة، وجرد قلبك عن النفرة والميل، ثم أعط النظر حقه ناظرًا بعين الإنصاف، ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه ومَن يحسن ظنه نظرًا تامًا بكل قلبه، ثم ينظر في مقالة خصومه ومَن يسيء ظنه به كنظر الشزر والملاحظة؛ فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ، والناظر بعين المحبة عكسه، وما سلم مِن هذا إلا مَن أراد الله كرامته، وارتضاه لقبول الحق، وقد قيل:
وعـيـن الرضا عـن كل عيب كـليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
وقال آخر:
نظروا بعين عداوة لو أنها عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا"
ولهذا جاء في دعائه -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ ) (رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وصححه الألباني) .
ومن الأدب مع المخالف: الإنصاف في نقل الشبهات عن أهلها والرد عليها، ونقصد بذلك أن المسلم إن احتاج أن ينقل شبهة قد انتشرت واستشرت فلينقلها دون أن يُغفل بعض مواطنها؛ ليكون منصفًا، فإنه لا بد أن ينقلها بأمانة.
وليعلم بأن على الحق نورًا، وأن عليه أن يبحث عن الحق، ويتعب نفسه في الاستقصاء للدفاع عنه، والقيام بما هو واجب عليه في الرد على الشبهات. أما في حال الخوف مِن عدم القدرة على أداء هذا الواجب كما ينبغي؛ فليُحل الأمر لغيره حتى لا يسيء مِن حيث لا يدري.
وفي "القرآن الكريم" نفائس مِن الردود على المخالفين بعد نقل شبهاتهم، قال -تعالى-: ( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:80) ، من ذلك: قوله -تعالى-: ( وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) (البقرة: 116) ، وقوله -تعالى-: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) (التوبة:81)، وقوله -تعالى-: ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) (فصلت:15) .
فَنَقـْل الشبهة حيث قالها صاحبها ثم الإتيان عليها بالرد المفحم كفيل بقطع كل حجة بكل أدب وإنصاف؛ فهلا كنا مِن المؤمنين الأطهار قولاً وفعلاً؟!
أسأل الله -تعالى- لنا جميعًا ذلك. آمين.