الصد عن سبيل الله
علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين
طريقة أهل الكفر والعناد في معارضة الأنبياء وأتباعهم (7)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما رأيناه مما سبق كله ما هو إلا صور شتى من صور الصد والصدود عن سبيل الله، فأما الصدود فنفورهم عن سبيل الحق بكل ما أوتوا من عزم وتصميم: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) (النساء:61) ، وأما الصد فحرصهم على إقصاء الناس عن الحق وإقصائهم عنه بكل وسيلة ممكنة ظلمًا وعدوانًا: ( ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ) (هود:18-19) .
إذن فالعداوة المتجذرة في القلوب، وحرصهم على الصد والصدود عن سبيل الله إنما حملهم عليها ذلك الكفر المتغلغل في أعماقهم، والمتأصل في وجدانهم، كفر بالله -سبحانه- القاهر فوق عباده؛ إذ لو آمنوا به لخشعت قلوبهم للحق، وللهجت ألسنتهم بذكره، ولوجدوا في قلوبهم حلاوة الإيمان وبرد اليقين فنصروا الله بطاعته، والرسول بمتابعته؛ فأيدهم الله في الدارين، ووفقهم لمزيد من الهدى والإيمان: ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (آل عمران:174) ، ولكنهم كفروا بالله فصدوا عن سبيله.
ولو آمنوا برسل الله لعلموا أن الخير على أيديهم جار، وأن النصر في ركبهم مقرون، ولمَا خالفوهم وحاربوهم، وآذنوا بحرب من الله ورسله لا طاقة لهم بها: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء:105) ، ولكنهم كفروا بهؤلاء الأنبياء الأصفياء فصدوا عن سبيل الله الذي كانوا ينادون عليه.
ولو آمنوا باليوم الآخر وأن مردهم إلى الله فسائلهم عما فعلوا في دنياهم؛ لعملوا من الصالحات أعمالاً، ولأعدوا للسؤال جوابًا، ولكنهم أشربوا حب الدنيا وعبادتها وكراهية الموت، والآخرة، بل إنكار البعث والجزاء، وقالوا: ( إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) (المؤمنون:37) ، ففسدت عقيدتهم، وساءت أعمالهم، وحاربوا الله ورسله؛ إذ أمروهم بأوامر لم ترقهم، ونهوهم عن نواهي لهم فيها غرض وشهوة؛ فحادوا الله وصدوا الخلق عن متابعة سبيل الأنبياء: ( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الزخرف:37) .
فتراهم يمعنون في هذا الصد بإصرار عجيب، ويتربصون بالمؤمنين كل سبيل حتى قال لهم أحد أنبيائهم: ( وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (الأعراف:86) ، إلا أن هؤلاء المفسدين لا يتبعون غير هذا السبيل، ولا يحرصون إلا عليه، وما أقبح فعلهم الذي فاق كل مخالفة: ( وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة:217) .
ولئن اختلف أهل الباطل فيما بينهم إلا أنهم تتوحد هممهم على المؤمنين في هذا المضمار، ويتجمع شتاتهم عليهم؛ صدًا لهم عن سبيل الله الذي أمرهم بلزومه، فها هم أهل الكتاب من يهود ونصارى على اختلاف بينهم يتفقون على بغض أهل الإيمان إلا أن يدخلوا في دينهم: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (البقرة:120) ، وهم يريدون أن يحرفوا المؤمنين عن عقيدتهم -لا سيما الداخلين حديثًا في دين الله الراغبين فيما عنده سبحانه- فيقول فيهم الله -تعالى-: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (آل عمران:99) .
وللمرء أن يعجب كيف يصرون على هذا الصد وهم يعلمون الحق واضحًا جليًا -لا سيما كبراؤهم-: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (البقرة:146) .
وكم تفنن الرهبان والأحبار في الصد عن سبيل الله؛ إما تشويهًا للحق الذي مع المؤمنين أو تزيينًا للباطل الذي معهم، وتلبيسًا على أذنابهم وأتباعهم من الأميين الذين: ( لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ) (البقرة:78) ، وهم ما زالوا على هذا الحال منذ القدم لا يرعوي هؤلاء عن الإغواء والإضلال، ولا يستنكف هؤلاء عن التبعية العمياء حتى أفسدوا عليهم دينهم وآخرتهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (التوبة:34) .
وقد استأثر اليهود بنصيب وافر من ذلك فعاقبهم الله في الدنيا، وقال: ( فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ) (النساء:160) ، وعاقبهم كذلك في الآخرة، وقال: ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (البقرة:79) .