شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من أعمال القلوب.. الخوف

الشيخ سعيد محمود • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تعريف الخوف:

من مادة "خ و ف" التي تدل على الذعر والفزع في اللغة العربية.

قال ابن قدامة -رحمه الله-: "اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل، مثال ذلك: من جنى على ملك جناية، ثم وقع في يده فهو يخاف القتل، ويجوز العفو "احتمال"، فالخوف: مطالعة القلوب لعظيم عقاب الله ونقمته ممن عصاه، فيتولد في القلب "الخوف".

أخي.. -اعلم رحمني الله وإياك-:

- أن الله قد أوجب على عباده الخوف منه: قال -تعالى-: ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (آل عمران:175) ، وقال -تعالى-: ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (البقرة:40) .

ـ وامتدح الله أهل الخوف: فقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (المؤمنون:57-61) .

قال الحسن -رحمه الله-: "عملوا لله بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم".

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: ( لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

ـ وجعل الله التخويف من عذابه أحد مهمات الرسل: قال -تعالى-: ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) (الأنعام:48) ، وجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قومه على الصفا وقال: ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ ). قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا, قَالَ: ( فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) (متفق عليه) .

واعلم -رحمني الله وإياك- أن للخوف ثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة، منها:

1ـ أنه من أسباب التمكين في الأرض، وزيادة الإيمان والطمأنينة؛ قال -تعالى-: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (إبراهيم:13-14) .

2ـ يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه، قال -تعالى-: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُوراً . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) (الإنسان:9-10) ، وقال -تعالى-: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) (النور:36-37) .

3ـ يجعل الإنسان في ظل عرش الرحمن: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) .

4ـ من أسباب المغفرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ ) (رواه البخاري ومسلم) .

5ـ طريق إلى الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ ) (رواه الترمذي والحاكم، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) (الرحمن:46) .

6ـ أمان يوم القيامة: جاء في الحديث القدسي: ( وَعِزَّتِي لاَ أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح) .

7 ـ يقمع الشهوات: قال -تعالى-: ( يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (النحل:50) .

8ـ يجلب الرضا من الله: قال -تعالى-: ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) (البينة:8) .

منهج العبادة بين الخوف والرجاء:

أخي.. اعلم كذلك أن العبادة الصحيحة لابد فيها من اجتماع الخوف والرجاء، فكما أن العبادة لا تصلح بالرجاء وحده، كذلك لا تصلح بالخوف وحده.

دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على شاب وهو يحتضر، فقال: ( كَيْفَ تَجِدُكَ؟ ). قَالَ: أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ-: ( لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

فاللهم اجعل لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك.