ثورة الشباب في جيش طالوت (2-2)
أحمد خليل خير الله • شبابنا
والطريقة العملية الفعالة لفهم هذه النقاط الأربع هي اقتحام حياة أي شخصية مجددة تأثرت بهذا المنهج وأثرت، وستجد هذه النقاط الأربع تطل برأسها في كل مواقفه بدايةً من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- مرورًا بأحمد بن حنبل، وابن تيمية.. إلى محب الدين الخطيب، ومحمود شاكر، والألباني -رحمهم الله-.
كل واحد منهم كان داود زمانه.. أحدث الفارق وترك الأثر، وخسر العالم بموته الكثير، و"داود" -عليه السلام- النموذج القرآني الواضح لإحداث هذا الفارق في هذه القصة الفارقة من تاريخ بني إسرائيل، في سورة مِن أهم سور القرآن الكريم "سورة البقرة"، ويكفي في فضلها كما يذكر أبوحامد الغزالي -رحمه الله-: "أن من حفظها من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عدُّه من العلماء".
وكم شغلني حين نادى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين بعد أن انفض عنه الجيش إلا قليلاً، فأمر العباس أن ينادي: "يا أهل سورة البقرة"؟!
لعله -صلى الله عليه وسلم- كان يبحث عن داود؟ لا أدري.. ولكن حتمًا من أحدث الفرق من الصحابة حين عاد كان داودي النفسية والمواجهة والفكر.
قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- بعد العودة إلى المواجهة: "فما أخذوا معنا حلبة شاه".
كم شغلني السياق القرآني، وكم بهرني الوضع المعجز لقصة طالت وجالوت بين بقية معجزات سورة البقرة المدنية، رغم جو القصة المكي، وتعجبت للجو المكي في وسط سوره مدنية.
ولكن بطل تعجبي حين وجدت صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة الشباب منهم يرتبطون نفسيًا بهذه القصة ارتباطًا وثيقًا عجيبًا، وفي أشد الظروف وأحلكها في أرض المعركة.
روى البخاري عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاثَ مِائَةٍ". تأمل.. يقول: "نَتَحَدَّثُ.. " وكأنه رأي عام!
الله أكبر.. يا للقرآن وأثره في قيادة النفوس، يتملكها.. يهديها للتي هي أقوم، الشباب كان يحتاج إلى هذه القصة في المدينة كما نحتاج نحن إليها في المدينة.. !
وهذا عن أثر القصة العامة، فماذا عن أثر بطلها داود -عليه السلام- خاصة زيد -رضي الله عنه-، لما برز جالوت الترجمة كانت النتيجة تعلم العبرية، وغيرها من اللغات.. ومعاذ ومعوذ أبناء عفراء لما برز جالوت "أبي جهل" كانت النتيجة: "كليهما قتله".
نقلة إستراتيجية من شباب داخل جيش بدر، والمواقف واحدة والأسماء مختلفة، لم يكتئبوا ولم يتوقفوا، بل جنبوا مشاعرهم، ونظروا إلى كل شدة وفتنة وبلاء وكأنها دورة تدريبية مجانية للمواجهة الجالوتية، وانتظروا الفرقة الجالوتية، وعاشوا بنفسية فراش الموت؛ فاختلف الأداء الداودي في الصحابة عن الأداء الداودي في زمننا.
"فيكتور هوجو" له تشبيه مؤلم واقعي يصف فيه الموت: "يرى أن موت الشخص المسن يشبه سفينة وصلت إلى الشاطئ، بينما موت الشاب أشبه بسفينة ضربتها الرياح وسط البحر وحطمتها، كما أن موت الشباب يشبه إلى حد كبير حسب وصفه رواية مثيرة انتهت في منتصفها".
تعجبت حين علمت أن الشيخ "سعيد عبد العظيم" -حفظه الله-، ولا نزكي على الله أحدًا "ذهب إلى 55 مسجد في العشر الأواخر من شهر رمضان، وكان يلقى كلمة في كل مسجد"، رغم مرض الشيخ -شفاه الله وعافاه-، فتكلمت مع الشيخ -حفظه الله- عن جنب واستحياء من بعيد، ولم أذكر له بالطبع حادثة العشر الأواخر، ولكن كلمته على علو الهمة فقال لي: "إن الموت يأتي بغتة ونهاية الرواية بيد الله وهو لا يعرفها، ولكن ما يحاول أن يفعله أن يكون بطل كل صفحة في رواية حياته". فعظم عندي كلامه أن حل لي ما أُشكل من كلام "هوجو" -ولله الحمد-.
عن ثابت البناني -رحمه الله- أنه قال: "ما أكثر أحد من ذكر الموت إلا ورؤي ذلك في عمله". آه لشاب مات قبل أن يموت، آه لشاب لم تخسر دعوته بموته شيء، الموت يركض خلفنا ولا بد من عمل، قال تعالى: ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) (الجمعة:8) .
حتى نعيش حياة داود لابد أن نحيا كل يوم وكأنه الأخير، "وإن الإنسان الذي يحيا كل يوم كأنه الأخير لا يهتز أبدًا، ولا يفتر أبدًا، ولا يتزين أبدًا".
أخي داود.. استعن بالله ولا تعجز، ولا تحقرن نفسك، ولا تجهل قدر نفسك، فأنت عبد لله الواحد القهار، وحفيد أبي بكر، وعمر، وأبو عبيدة، وعمر المختار.
إن الإنسان كل إنسان بلا استثناء إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة كما يقول "ويندل هولمز": "الإنسان كما خلقه الله - الإنسان كما يراه الناس - الإنسان كما يري هو نفسه".
قال -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: ( أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ) (متفق عليه) ، وقال -تعالى- عن أمته -صلى الله عليه وسلم-: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) (آل عمران:110) .
أخي داود.. مَن لجالوت إن لم يكن أنت؟!
حتى لو لم يرك الناس أهلاً للقضاء على جالوت؛ فلا تحرم نفسك من أن تراها كذلك.
أخي داود.. ابحث عن قضية أكبر منك ثم هب حياتك لأجلها.
ابن هدفك يبنيك هدفك.
وأفضل طريقة للتخطيط للمستقبل إصلاح قرارات اليوم.
أخي داود.. ختام قصتك مع جالوت: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (البقرة:251) ، يا رب نريد أن نكمل من هذا المعين.
إذن البداية من القرآن.. ( تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (البقرة:252) .
قال الشيخ "محمد إسماعيل" -حفظه الله- كلمات تكتب بماء العين: "هذا العصر هو عصر الشباب فهم الحاضر والمستقبل؛ لذا مِن حقهم أن يثوروا، وأن يفرضوا التغيير، لا أن يقترحوه طالما في نطاق الأدب".
أخي داود.. هل ترانا نكون أهلاً لحسن ظن الشيخ -حفظه الله-؟!
الإجابة: تملكها أنت أخي داود.. -والله المستعان-.