غزوة "بدر".. ومخاطر ما بعد النصر
أحمد الفيشاوي • التزكية
لقد كانت مثل هذه الأمور التي قد يستصغرها كثير مِن الناس سببًا في توجيه هذا اللوم والعتاب البالغ في صدر سورة أُنزلت في الأساس؛ تتويجًا لـ"نصر بدر العظيم"، ومواساة للمؤمنين بعد ما لاقوه مِن قهر وظلم على أيدي كفار مكة على مدى سنين طويلة، فابتدأت السورة بهذا التوجيه؛ لتنبِّه قلوب المؤمنين على خطر ما وقعوا فيه حتى ولو كانوا من أهل "بدر"، وأهل الجهاد والفضل، ولتجذب قلوبهم إلى الإخبات والوجل والخشوع لله -تعالى-، والاعتراف بالفضل والمنة له وحده، فلا تعظم في نفوسهم حقوق نفوسهم ولا تجترئ ألسنتهم على دعوى الاستحقاق والأفضلية، وإنما يسلمون الأمر للرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد استوت عندهم جميع الخيارات، فلا تميل قلوبهم لحكم دون حكم، ولا يتمنون لخصمهم أدنى مما يتمنون لأنفسهم، وهذا هو موجب الإيمان الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) (متفق عليه) .
وتأمل أمره -عز وجل- لهم في وسط السورة: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (الأنفال:46-47) .
فإذا كان النزاع مِن أعظم الأسباب التي تؤدي إلى فتور الهمة، والنفور من الاجتماع على الأعمال الصالحة، فإن ذلك نتيجته الحتمية: الفشل، وانتكاس القوة في الدعوة إلى الله -تعالى-.
وليس هذا فحسب، بل تأمل قوله -تعالى- في نفس السياق: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )، وكأن التنازع والخلاف إذا لم يعالجه المجتمع المسلم بالأسباب الشرعية التي أمر الله -تعالى- بها، فإنه يوشك أن يقع في القلوب بعض مِن الأمراض التي في قلوب أهل الشرك -والعياذ بالله تعالى-، مِن: البطر، والرياء، أو أن تصبح صورتهم وأخلاقهم شبيهة بأخلاق المشركيين الذين تتحكم فيهم أهواؤهم، ويتحكم فيهم كبرياؤهم، وكفى بذلك فسادًا وصدًا عن سبيل الله -تعالى-.
ولما علم الله -تعالى- ما في قلوب أهل بدر من الندم على ما بدر منهم وحرصهم على إصلاح ذات بينهم؛ بيَّن لهم بعد ذلك كيف يقسمون الأنفال؟ وما الذي يستحقونه وما الذي لا يستحقونه؟ فقال: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (الأنفال:41) ، فجاء البيان والحكم فوافق قلوبًا سليمة مذعنة، فكان بذلك تمام الأجر والفضل.
نسأل الله -تعالى- أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يصلح ذات بيننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.