شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مقدمة لدراسة علم التوحيد

صوت السلف • المنهج السلفي

وعندما اختلط المسلمون بأعدائهم بعد احتلال الأعداء لمعظم بلاد المسلمين، ولم تزل آثار هذا الاحتلال تضر المسلمين جميعاً، فظهرت مناهج هؤلاء الكفار في التحاكم وفرض قضية الموالاة على غير الدين، وفرض أن ملل الكفار ملل مقبولة، وسائل أنواع المعاملات التي تدخل في حيز موالاة الكفار المنهي عنها، دخلت هذه المسائل في تحديدات أهل السنة، وأصبحوا ينصون على ذلك وينبهون عليه، مع أنك ربما لا تجد في كتب المتقدمين الذين تكلموا عن الأسماء والصفات والقضاء والقدر والإيمان والكفر لا تجدهم يكثرون الكلام عن موالاة المشركين، ولا على التحاكم إلى شرع الله حتى ظن البعض أن هذه ليست من قضايا التوحيد والإيمان.

كما ذكرنا أن جانباً من القصر بل هو أعظم أجزائه هدم لدى الكثيرين ممن ينتسبون إلى الإسلام، وصار تحديد هذه المعالم أمراً لازماً بالإضافة إلى المعالم الأولى فإن أهل البدع فيها لم ييأسوا خصوصا أنهم بعد أن دحروا وهزموا على أيدي أئمة السنة في الأزمنة المختلفة تدثروا بثياب أخرى وتسموا بأسماء أخرى، لا تجد أحداً يكاد يقول إنه معتزلي، أو أنه من الخوارج،ولكن عقيدة هؤلاء موجودة لديه.

أما الشيعة الذين ينتسبون إلى التوحيد وقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فأمرهم أخطر على أهل الإسلام، بالإضافة إلى فرق الصوفية الغلاة ممن تربى في حضن التشيع، وأخرج لنا أنواعاً من المخاطر الهائلة على الأمة الإسلامية.

لذلك كان لابد من تحديد المعالم المختلفة للعقيدة الصحيحة حتى تتحدد معالم القصر الذي نريد بناءه.

طريقة القرآن طريقة بناء عظيم لا يوجد لها مثيل، يختلط فيها الإيمان مع العمل مع الأحوال القلبية مع سيرة الأنبياء، مع مواقف تُغيِّر من داخل الإنسان.

اكتفى البعض بتحديد المعالم، مع أن رسم الحدود ليس هو بناء القصر، فهناك مسئولية شخصية على كل إنسان في أن يبني قصر الإيمان في قلبه بناءً محكماً، لا يُدخِل فيها الأحجار الغريبة التي ساعدت في هدم القصر من العقائد الفاسدة، ولا تبن على غير الأساس، ولكن لا تكتفِ فقط بتحديد المعالم، وتبيين ما هو منهج أهل السنة ومنهج أهل البدع، فهذا هو جانب التطهير والتنقية والنفي للباطل، وهناك جانب إيجابي، وهذا لا يؤخذ إلا بطريقة القرآن.

لابد أن نبني في داخلنا حقائق الإيمان في كل أصل من هذه الأصول، وهذا الذي نرجو الله سبحانه وتعالى- أن يوفقنا له من خلال شرحنا لهذا الكتاب الذي نريد أن نهتم في هذه المرة من الشرح بمعاني الإيمان التي تتأثر بها القلوب، وليس فقط أن نحدد المعالم التي يبنى عليها البناء.

لابد أن نهتم بطريقة القرآن ونقف عند الآيات ونتعبد لله بمقتضى هذه الآيات، وما تدل عليه من معرفة أسماء الله -تعالى- وصفاته، ومحبة رسله الكرام، والتشبه بصفاتهم العظيمة، ومحبة كتابه الذي أنزله، ومعرفة قدر كتبه التي تضمنها هذه الكتاب.

ويصل للإنسان من خلال دراسة آيات القرآن العقيدة الصحيحة والرد على البدع والضلالات، ويحصل له تحصل الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، كل ذلك مرتبطاً بالعبادة لأن حقائق الإيمان إنما تحصل من خلال العبادات ومن خلال الإسلام الذي بينه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحصل من خلال ذلك تهذيب النفس، وتحصل مرتبة الإحسان التي بينها النبي -صلى الله عليه وسلم-، كل ذلك من خلال آيات القرآن وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-

ولذا كان من أكبر الجنايات على الإسلام وأهله الانحراف في منهج التلقي، وجعل طريقة الفلاسفة والمتكلمين هي الطريقة التي تتناول بها العقيدة، ولا تزال في كثير من المعاهد الإسلامية تتناول العقيدة على طريقة علم الكلام وتعريف الجوهر العرض، وواجب الوجود وممكن الوجود ومستحيل الوجود، ونحو ذلك من الاصطلاحات التي يعلم كل ناظر في القرآن أن القرآن بعيد عنها، وأن دعوة الأنبياء تختلف عن هذه الطريقة؛ لذلك نريد أن نركز على بناء الإيمان في النفوس، وكل منا له دور، ونحن إنما نعطي مفاتيح الأبواب، فليس مجرد أنك أخذت المفتاح أنك قد حصلت المطلوب.

وغرضنا في هذا الشرح أن يكن في صورة متوسطة بين الاختصار والإطناب على أن يتبع ذلك -إن شاء الله- مزيد من البناء الداخلي من خلال عبادات الإسلام (الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة)، ومن خلال الإحسان ومراقبة الله والإخلاص له -سبحانه وتعالى-؛ لتنمو شجرة الإيمان في قلوبنا لأن هذا هو مفتاح كل تغيير وإصلاح مراد لأمة الإسلام.

ولاشك أن أعداء الإسلام عرفوا أن الأمة في عقيدتها ومنهجها، وأنه مهما كان الضعف المادي الذي يحصل لأهل الإسلام إلا أن دعوة الحق فيها لا تموت مصداقاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة) ، فعرف الأعداء ذلك وعلموا أن الحل البديل في التخلص من هذا الدين أن يحرفوا هذا الدين من داخله، ولذا نجد التحالف المشبوه والمعلن والمستتر مع أهل البدع، وتعاون أكيد ضد أهل السنة والحق، ولا يقبلون التنازل مع أهل الحق، ولو كانوا من أضعف الضعفاء مادياً.

لذلك كان التمسك بمنهج أهل الحق ونشره هو جهاد ولابد أن يكون بالقرآن كما قال الله -عز وجل-: (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) (الفرقان:52)، فهذا جهاد في أن تعاد طريقة القرآن، وأن لا يطاع الكافرون في ترك هذا القرآن الكريم.

ونسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا من خلال هذه الدروس لبيان طريقة القرآن والمنهج الرباني في بناء الإيمان في نفوسنا. نسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا الإسلام والإيمان والإحسان وأن يجعلنا من عباده المخلصين.

الصفحة السابقة