غض الأبصار أو الوقوع في النار
محمد شتا • التزكية
قال الله -تعالى-: ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ) (الإسراء:36) ، فستسأل عن كل نظرة نظرتها، والذي يسألك لا يخفى عليه خافية: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (غافر:19) ، فلن تستطيع أن تنكر نظراتك واختلاساتك عندما تقف أمامه.
فوائد غض البصر:
1- نور في القلب ولذة الإيمان: قال بعض السلف: "من حفظ بصرة أورثه الله نورًا في بصيرته".
بالفعل فالذي يغض بصره عن الحرام يجد نورًا في قلبه، وقوة في قلبه ونقاءً على عكس مَن أطلق البصر في المحرمات، فإن عنده انطماس بصيرة وضعف في القلب.. ألا ترى أن الله قد ذكر الأمر بغض البصر في سورة النور، وأعقب فيها هذا الأمر بقوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (النور:35) ؟!
2- صحة الفراسة:
يقول أبو شجاع شاه بن شجاع الكرماني: "من عمَّر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وكف نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن الحرام واعتاد أكل الحلال؛ لم تخطئ له فراسة"، وكان أبو شجاع لا تخطئ له فراسة.
وهذه الفراسة نتيجة طبيعية لنور القلب وقوته.. ألا ترى أن من أراد أن يركز في شيء أو يتذكره غمض عينيه، وعلى العكس فإطلاق الأبصار يشوش الفكر ويشتت القلب؟!
3- لا ترى عينه النار:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ثلاثةٌ لا تَرَى أعْيُنُهُمْ النَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خِشْيَةِ الله، وعَيْنٌ حَرَسَتْ في سَبِيلِ الله، وَعَيْنٌ غَضَّتْ عن مَحارِمِ الله ) (رواه الطبراني، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: صحيح بمجموع طرقه) ، فالجزاء من جنس العمل، فكما لم يشعل نار الشهوة في نفسه بالنظر إلى الحرام فلن تشتعل عليه النار يوم القيامة.
4- وجزاؤه الجنة:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) (رواه أحمد وابن حبان والحاكم، وحسنه الألباني) .
5- دعوة إلى الإسلام:
الفوائد السابقة لغض البصر للفاعل نفسه، أما هذه الفائدة فهي متعدية، فكم حكى لي من أخ عن سؤال نساء كافرات له: لماذا لا ينظر إليهن؟ فتكون الإجابة: إنه أدب الإسلام.
وذلك أن هذا الأمر في دول الكفر لا يوجد تمامًا فتكون النتيجة هي سؤالهن عن كتب تُبين هذا الدين، ودخول بعضهن الإسلام.
جاء في كتاب "قصص لا أنساها": "شاب أمريكي في مقتبل العمر وبدأ يتعلم أحكام الدين، ومنها: غض البصر، وكان من متطلبات عمله أن يودع في البنك المجاور لعمله أرباح كل يوم في صباح الغد، وفي ذلك البنك أعجبته فتاة عاملة في المحاسبة، فكان كلما مد يده بالنقود إليها أغمض عينيه حتى أنها قد تقبض المبلغ دون أن يشعر إلا بعد قليل، حاولت هذه الفتاة أن تحادثه أو تبتسم إليه، لكنه مصر على إغماض عينيه، وفي يوم من الأيام قررت هذه الفتاة أن تعرف سبب هذا التصرف العجيب فسألته فأجابها وهو مغمض عينيه، قال لها: يُحرِّم علي ديني أن أنظر لغير محارمي، فطلبت كتابًا يتكلم عن الإسلام ودخلت هذه الفتاة في الإسلام، ويسر الله زواجهما على العفاف والتقى" اهـ .
الحديث في الفوائد والأخطار حديث طويل أحيل القارئ فيه على كتاب "الداء والدواء" لابن القيم -رحمه الله-، ولكن ننتقل إلى نزع السهم المسموم من القلب، وذلك بعلاجه؛ فما أنزل الله داءً إلا وجعل له دواء.
علاج إطلاق الأبصار (2) :
أولاً: الوقاية:
1- البعد عن أماكن الفتن وإثارة الشهوات:
دل على هذا العلاج حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ قال لأصحابه: ( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ ). فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: ( فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا ). قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: ( غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ ) (متفق عليه) .
إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن الجلوس في طرقات المدينة النبوية المطهرة التي لا تمر فيها امرأة إلا بكامل حجابها، فماذا نقول عن طرقاتنا اليوم، بل ماذا نقول عن شواطئ البحار، والملاهي الليلية؟!
وكيف بمن يَدخل على الفتن وهو في بيته بالقنوات الإباحية والمواقع المشبوهة والمجلات الساقطة؟! فهذه الأماكن لا يجوز لمسلم أن يتواجد فيها إلا للإنكار، وإن لم تزل المنكر فزل.
2- الالتزام بالآداب الشرعية:
أ- ستر العورات: وهذا الأمر للرجال والنساء جميعًا فأمر النساء بالحجاب، وأمر -صلى الله عليه وسلم- الرجل قائلاً: ( احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي: ( لاَ تَكْشِفْ فَخِذَكَ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلاَ مَيِّتٍ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وهذا الأمر مما يتساهل فيه الرجال مع بعضهم البعض والنساء مع بعضهن؛ لذلك نبه النبي -صلى الله عليه وسلم- خصيصًا فقال: ( لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ ) (رواه مسلم) ؛ وذلك لأن النفس ضعيفة أمام رؤية العورات.
ب- الاستئذان: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ) (متفق عليه) ، فحتى لا ترى عورات أهل بيت يجب أن تستأذن عليهم، بل يجب أن تستأذن على محارمك.
ج- عدم الخلوة بالأجنبية: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، فبماذا تتوقع أن يأمرهما الشيطان؟! أسيأمرهما بالعفة وغض الأبصار؟!
د- ترك الاختلاط المستهتر والخضوع بالقول والمصافحة للأجنبية، فكل هذا داعية إطلاق الأبصار، بل داعية الوقوع في الفاحشة.