"أردوغان".. ودروس بليغة للعالمانيين
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وقاد أردوغان حملة ترويض للعالمانية التركية من خانة العالمانية التي يسمونها: "ضد الدين"، والتي ترى في الدين منافسًا حقيقيًا لها لا ينبغي له أن يتواجد؛ ولو في المساجد أو في كتاتيب تحفيظ القرآن، والتي لا ترى من الحرية إلا حرية العري؛ بينما تمنع ارتداء الحجاب -بعض عالماني بلادنا أقرب إلى ذلك لا سيما في قضية الحجاب-.
حاول "أردوغان" أن يجعل الحجاب خيار عالماني مقبول، مثله مثل ملابس البحر التي لا تكاد تستر شيئًا، وقد نجح في هذا.
حاول "أردوغان" أن يوقف حالة التربص من الدولة بالمساجد، ودور تحفيظ القرآن.
لقد نقل "أردوغان" تركيا من خانة العالمانية "المضادة للدين" إلى خانة ما يسمونه هم: "العالمانية اللادينية"، والتي تسمح للدين بالوجود، ولكن مع حبسه داخل دور العبادة.
ولا ينبغي في هذا المقام أن نغتر بوصف هذه بالمعتدلة وتلك بالمتطرفة، أو بوصف هذه باللادينية والأخرى بأنها ضد الدين، بل ينبغي إدراك أنه بالنسبة للإسلام فكلاهما "ضد الدين"؛ لأن الدين يقول: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) .
وما أشبه حال هاتين المدرستين مع الدين بحال إخوة "يوسف" معه إذ همَّ فريق بقتله بينما رأى الآخرون إلقائه في غياهب الجب؛ فهل بذلك صار هؤلاء هم المعتدلون المنصفون الذين يُجعلون مثالاً يحتذى؟!
ولو أننا تجارينا مع هذا المثال فلو أن عصبة مِن الأشرار أراد فريق منهم أن يقتل غلامًا حليمًا، ووافقهم الآخرون على التخلص منه، ولكن طالبوا بأن تكون الطريقة أكثر شفقة، وكان بينهم رجل صالح أراد أن ينهاهم عن المنكر، ولكن وجد أنهم أغلقوا آذانهم وقلوبهم دونه، فما الواجب عليه؟ الواجب عليه أن يفعل كما فعل "مؤمن آل ياسين"، ويبرأ إلى الله مِن الظلم، ولا يضره بعد ذلك قبلوا نصحه أم لا؟
ثم إن رأى أن ينضم إلى الفريق الأقل فسادًا المنادين بأن يكون التخلص من الغلام بطريق غير القتل؛ فعاونهم على ذلك، فهل يليق به أن يأمر كل مَن وجد غلامًا حليمًا أن يُلقي به في غياهب الجب اقتداء بفعله؟!
إننا إن قبلنا منه أن يشارك في إلقاء الغلام كنوع مِن الاجتهاد -وهو ما لا نوافق عليه أصلاً-؛ فلا يمكن لعاقل أن يقبل تعميم هذه الدعوة، ومِن ثمَّ كان الخطأ الفاحش من "أردوغان" أن يدعو بلدًا كمصر إلى أن يدشنوا دستورًا عالمانيًا انطلاقًا من تجربته هو التي خضع فيها لدستور عالماني قائم، بينما نحن ما زلنا في مرحلة كتابة الدستور بعد، ودستورنا السابق كان في آخر صوره أقرب إلى الإسلام منه إلى العالمانية، وإن كانت معظم القوانين أُقرت في مرحلة كان الدستور فيها يبيح سن ما يخالف الشريعة.
ثم إن درجة فَهم الناس للدين في مصر، ووجود "الأزهر"، والتيارات الإسلامية تختلف تمامًا عن حال تركيا.
إن "أردوغان" قد ذاب تمامًا في نظامه السياسي بصفته رأسًا له؛ فلا يملك -وفق المعايير الديمقراطية- إلا أن يثني على نظامه، وأن ينصح به الدول الأخرى، وهي نصيحة مجروحة؛ لأنك لو سألتَ رأس النظام السياسي في أي بلد لنصحك بنظام بلده.
وهو على العموم درس للدكتور "علي السلمي"، و"يحيى الجمل"، و"منير فخري عبد النور"، ونحوهم.. قبل أن يكون درسًا لنا؛ فما بالنا نراهم يتولون وظائف تنفيذية وفق دستور لا ينص على "مدنية الدولة" رغم أنهم يرون أن هذا نوع من الرجعية والتخلف؟!
إن "أردوغان" أشبه بمن بُترت قدمه؛ فركب قدمًا صناعية، ومِن فرط فرحه بها طالب الأصحاء ببتر أقدامهم دون أن يضمن لهم حتى تلك الأقدام الصناعية!
إن المريض الذي تبلغ حرارته 40 درجة مئوية قابلة للزيادة يدقون له نواقيس الخطر، وينقلونه إلى غرف "العناية المركزة"؛ فإذا بدأ في العلاج فصارت حرارته آخذة في النقص ابتهج له الأحباب والأطباء، لكن لا يعني هذا أبدًا أن نعتبر أن تلك الحالة التي ما زالت مَرَضية وخطيرة، هي الحالة المثلى التي يجب أن يسعى إليها الأصحاء!
وأما ما حققه "أردوغان" على صعيد الإصلاح الاقتصادي والمكانة الدولية؛ فهو دليل على أن التربية الإيمانية للقادة قبل الشعوب تصنع قائدًا يدرك أن كل نفس ذائقة الموت، فتحرص على محاربة الظلم "لا سيما نهب المال العام"، وتؤمن "أن كل راع مسئول عن رعيته"؛ فتجتهد في أداء رسالتها.
فهذا حال حاكم مسلم "يضع إسلامه نصب عينيه" لدولة عالمانية، فكيف الحال لو صار عندنا رئيس "يضع إسلامه نصب عينيه" لدولة غالب أهلها مسلمون -وهذا حاصل بحمد الله- ونظامها إسلامي "وهو ما نسعى إليه بحول الله وتوفيقه"؟!
انتهت رسالة "أردوغان".. وانتهت دروسها، وهذه إجابتنا على ما يخصنا فيها.
ولكن ما زال لنا لدى العالمانيين أسئلة:
1- ماذا لو نصح "أردوغان" نفسه بالشريعة الإسلامية، وبالله عليكم أجيبونا بصدق: هل كنتم ستردون فقط أنكم لن تقبلوا النصيحة؟! أم كنتم ستتكلمون عن عودة الاحتلال التركي، وعن اللباقة الدبلوماسية، وعن التدخل في الشئون الداخلية، والكرامة الوطنية، وكانت ساعتها ستكون الأعلام التركية على قلوبهم أثقل مما ظنوه أعلامًا سعودية في ميدان التحرير؟!
2- بينما طالب "أردوغان" بدولة عالمانية إذا به يزور "رأس الكنيسة"، ليثني الأخير على دعوته إلى الدستور العالماني الذي يفصل الدين عن السياسة، ولنا أن نتساءل: هل هذه سياسة أم دين؟! أم ستكون الإجابة كالعادة: "خصوصية التجربة المصرية"؟!
وقبلها زار "أردوغان" الأزهر، وأثنى على وثيقته، بينما هي -وإن اختلفنا مع كثير من بنودها- تحمل عنوان: "وثيقة مبادئ المرجعية الدينية للدولة المصرية الحديثة".
3- السؤال الأخير لهم: هل تعلموا مِن "أردوغان" شيئًا؟! أشك.
والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.