شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"الهلالي وعمرو" ومشكلة الخمر

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

2- إن تفسير القرآن يكون بالقرآن ثم بالسنة ثم باللغة، والقرآن يقول: ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) (المائدة:91) ، وهذه العلة موجودة في كل شراب مُسكر، وأوضح منه في الدلالة: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ) (متفق عليه) ، وقوله: ( مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

وهي النصوص التي فاتت أبا حنيفة وأدركها صاحباه فرجعا إلى الحق، ولم يبقَ على قول أبي حنيفة إلا متعصب للإمام يخالف نصيحته في عرض قوله على نصوص الوحي، وتقديم الوحي عليه متى خالفته، أو مُتَّبعٍ لهواه يُمنِّي نفسه بقول العامة: "اجعلها في رقبة عالم تصبح سالم" متناسيًا قوله -تعالى-: ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) (مريم:95) ، ليس معك "الهلالي"، ولا "أديب"، ولا "الإمام أبو حنيفة".

3- ومما ذهل عنه الإمام "أبو حنيفة" أن الشرع بالغ في سد الذرائع في باب المُسكرات حتى نهى عن أنواع من الأنبذة: كوضع ثمرتين مختلفتين في إناء واحد حتى لا يسرع إليه التغير "وكوضع الفاكهة في الماء كالخشاف في زماننا"، والعجيب أن الدكتور "الهلالي" كان مستحضرًا للمثال، ولكن بدلاً مِن أن يورده على سبيل النهي؛ أورده للدلالة على أننا جميعًا نشرب الخُشاف المُسكر، ولا داعي للتشدد! ثم إن الذي استقر عليه الشرع في هذا الباب جواز الانتباذ بشرط واحد، وهو المذكور في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ) (رواه مسلم) .

4- ومع ما ذكرناه عن الإمام أبي حنيفة، وعن تراجع أصحابه عن قوله، ولكن دعنا نفترض أن أبا حنيفة -رحمه الله- قد عاش إلى زماننا وأدرك ما أدركه المعاصرون، ومنهم: "الهلالي" مِن أن المادة المسكرة في كل هذه السوائل هي "الكحول"، وأن "الكحول" لا يختلف في خواصه باختلاف الفاكهة التي صُنع من عصيرها، فالذي نجزم به من تخريجنا على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- أنه كان سيعتبر هذه المعرفة الإضافية دليلاً على صحة اجتهاد عامة علماء الأمة، ثم إذا عرف توسع الناس اليوم في صناعة الخمر من غير العنب: كالويسكي، والشمبانيا، وغيرها التي صارت هي الأكثر أثرًا في إفساد العقول؛ فلا شك أنه كان سيقول بحرمة كل صور الشراب المُسكر؛ حِفظًا للعقل الذي هو أحد الضرورات عنده، وعند غيره من العلماء.

الحاصل: أن "عمرو أديب" خرج مِن السؤال عن استعمال الكحول في التطهير إلى جواز شرب البيرة على اعتبار أنها مصنوعة مِن ماء الشعير، وتباع مخففة بطبيعة الحال، وإن كان لم يَفته أن يؤكد على جواز شرب كأس أو نحوه مِن أنواع الخمور المصنوعة مِن غير العنب!

وبقي أن يعرف حد السُّكر الذي بعده تُحرم تلك المشروبات، فأجابه الشيخ بأشد أنواع السُّكر إذا لم يميز ولده من غيره متغاضيًا عن أول أحوال السُّكر من النشوة، والتي تحدث حتى مع الخمر المخففة: كالبيرة.

ثم إن "عمرو أديب" سأل "الهلالي": هل يمكنه أن يواجه مَن ينادون بتطبيق الشريعة بهذه الأقوال؟!

ثم أضاف مازحًا: "أنا حاخد لي مطواة أنا عارف!".

والعجيب: أن الشيخ لم ينفر من الكلام عن الشريعة بهذا الأسلوب، ولا السخرية مِن أتباعها ودعاتها!

والجواب -"يا أخ عمرو"-: أن "المطواة" موجودة مع مَن يرتادون مواخير شرب الخمر والبيرة، والمُسكرات والمخدرات؛ فلا تخف على نفسك منها إلا إذا كنت تريد أن تذهب هذه الأماكن؛ لتنهاهم عن خمر العنب!

ولم يبقَ أمام "عمرو" لكي ينتصر في "موقعة الخمر"؛ إلا أن يحصل على اعتراف من الدكتور أنه يشرب البيرة -طالما أنها حلال-؛ فتلعثم "الشيخ" إلى أن انتهى إلى الإجابة بمساعدة المذيع أنها حلال، ولكنه لا يحبها تمامًا: كالينسون!

يعني الدكتور لم يحالفه التوفيق فيدعي -على الأقل- أنه يتركها من باب اتقاء الشبهات الذي تردد على لسان الرجلين عدة مرات في أثناء الحلقة، بل ختمها بتلك الفاجعة: "البيرة كالينسون"، وهذا لا علاقة له بالإمام "أبي حنيفة"، ولا بفقهه، ولا بالفقه الإسلامي برمته، بل هو "فقه جديد" لا يمكن أن تراه إلا في "القاهرة اليوم" وأخواتها!

خرج "عمرو" مِن الموقعة، وقد استخرج "رخصة" لكل الخمور -إلا النزر اليسير-، وألحقها بالينسون!

وأخشى في المرة القادمة أن يأتينا بمن يلحق "البكيني بالعباءة" ليبقى أنصار "الخمر - البكيني" في المربع صفر، ويبقى المجتمع المسلم المحافظ يمتنع أفراده عن بيع وشرب البيرة؛ فضلاً عن الخمر، ومَن يشربها منهم ينتظر اليوم الذي يتوب الله عليه فيه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشرت بجريدة الفتح بتاريخ الجمعة 12 صفر 1433هـ - 6 يناير 2012م.

الصفحة السابقة