شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسائل تطمين من نوع آخر

أحمد شكري • قضايا معاصرة

وكان يسعه السكوت عند هذا الحد فقد أرسل هذه الرسالة الواضحة للتطمين بدون تقديم تنازلات، لكنه ببصيرته الدعوية لاحظ أن هذه الرسالة لا تزيل الشكوك التي تعتري بعض الغيورين على صفاء المنهج، فأضاف إلى ذلك قوله: "فمثلاً أنا كطبيب سلفي يأتيني مرضى من كل أطياف المجتمع، وأقوم ببذل أقصى ما أملك من الجهود في سبيل تخفيف المعاناة عنهم، ثم بعد أن ييسر الله -تعالى- لهم الشفاء إذا قابلت أحدهم في الطريق أنصحه فيما أراه يقع فيه من أخطاء؛ ولذلك فالصوفية في مصر نعلم عن كثير منهم حبهم للرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإذا وضحت لهم سنته فلن يبغوا عنها حولاً؛ إذ من المتقرر عند كل مسلم أن خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلا مانع أبدًا من النقاش الهاديء، والمعتمد على الأدلة من الكتاب والسنة فما وافق الدليل قبلناه، وما خالفه رددناه، ولا شك أنه مع صدق النية، والتزام الأدب في الحوار؛ سنصل جميعًا إلى ما يرضي الله -تعالى-".

هكذا أوصل رسالة إلى كل غيور على المنهج أن الحسابات السياسية لن تثنينا عن المهمة الأولى للتيار السلفي، وهي: الحرص على نقاء المنهج، وتسليمه إلى الأجيال القادمة كاملاً لا نقص فيه، واضحًا لا لبس فيه، وربح في نفس الوقت ثقة الجماهير؛ لأنهم يحبون الصريح الذي لا يتلوَّن حسب المصلحة، وهذا الواقع يثبت أنه مِن الممكن أن يُجْمِع مَن يسمون أنفسهم خبراء بالدعاية الانتخابية على أمر هو في الحقيقة غير صحيح، وقد أثبتت التجربة أن الثبات على المبدأ هو أقصر الطرق لاكتساب احترام المخالف قبل الموافق.

وإذا كان مِن الضروري المبادرة بتكثيف إرسال هذا النوع من رسائل التطمين بمجرد إعلان الدعوة السلفية مشاركتها في العمل السياسي، فإن النجاح غير المتوقع الذي حققه التيار السلفي في الانتخابات زاد من هذه الضرورة؛ وذلك لعدة أسباب:

منها: أن قوة هذا التيار التي ظهرت من خلال نتائج الانتخابات أجبرت خصومه على تغيير إستراتيجية المواجهة من الإقصاء إلى الاحتواء، بمعنى: أن المجهودات الحالية موجهة إلى تغيير العقل السلفي مِن الداخل، وهذا يستدعي الإلحاح على تكرار هذه الثوابت.

ومنها: أن تضاعف أعداد الداخلين الجدد إلى "حزب النور" -الذراع السياسية للدعوة السلفية- يحتم تكرار إبراز هذه الثوابت؛ لأنها لن تكون مكررة بالنسبة للأعضاء الجدد، وهذه أعظم الفوائد على الإطلاق مِن دخول التيار السلفي للعمل السياسي، وهي التمكن من نشر المنهج بصورة أوسع وأعمق.

ومنها: الحفاظ على الجبهة الداخلية للحزب، فأول ملامح قوة الحزب استشعار كل فرد فيه أنه صاحب قضية، ومن المعلوم أن "الاجتماع على فكرة هو أقوى صور الاجتماع بين البشر"؛ لذلك يتمتع "حزب النور" بجبهة داخلية في غاية الصلابة؛ ولذلك يحرص الإعلام المغرض على التشكيك في ثبات قادة الحزب على المنهج، فيلتقطون أي كلمة أو شائعة ويروجون لها، كما قال -تعالى-: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (القلم:9) ، وقال: ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) (النساء:89) .

فالتركيز الشديد على شائعة تفاوض الحزب مع إسرائيل أو قيام فرد ملتحي -هنا أو هناك- بفعل يخالف "الثوابت السلفية"، وكذلك تصريح كثير مِن المحللين السياسيين وأتباع الأحزاب الأخرى أن العمل السياسي سيجبر السلفيين على تبني آراء أقل تشددًا -كما يزعمون-، كل ذلك يهدف إلى تمزيق الجبهة الداخلية للحزب.

والمخرج مِن هذا المأزق: الإلحاح على إرسال رسائل التطمين لكل غيور على الشريعة، وعلى المنهج السلفي أن تشوبه أدنى شائبة، وهذا ما أحسب أن قادة "حزب النور" على دراية شديدة به.

أسأل الله -تعالى- أن يوفقهم جميعًا إلى ما فيه صلاح ديننا ودنيانا. اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام حتى نلقاك عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة