كارتر والبرادعي والمربع "-1"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ومِن ثَمَّ طالبت هذه الجموع "البرادعي" أن يعلن ترشحه للرئاسة؛ ولأن الترشح له تبعاته فإن الدكتور "البرادعي" أعلن أن لديه استعدادًا للترشح إذا تم تغيير الدستور وإذا تحسن المناخ السياسي، وهو أمر لم يحمله أحد على محمل أنه نوع مِن الكبر والتعالي، ولكن حملوه على أنه مطلب عادل له ولغيره.
وقامت الثورة، وحافظت على الشرعية الشعبية ولم تنزلق إلى الديكتاتورية، وحاول "البرادعي" وحاول أنصاره أن يجعلوه رئيسًا معينًا أو عضوًا في مجلس رئاسي معين، وأخيرًا حاولوا جعله رئيسًا للوزراء عنوة! وحاول مَن حاول عرقلة أهم خطوات خارطة الطريق -مجلس الشعب المنتخب-، ولكنه تم بفضل الله -تعالى-، ثم بفضل إصرار الجماهير على إتمامه.
وهنا أدرك "البرادعي" أن فرصته في الوصول عبر الإرادة الشعبية شبه منعدمة، وأدرك أن الرجوع إلى "المربع صفر" شبه مستحيل؛ فكان القرار هو الرجوع إلى المربع "-1" حيث الحديث عن المناخ الديمقراطي غير الملائم، وعن الدستور، وعن... وعن... رغم وجود مجلس شعب منتخب، ودستور يفتح باب الترشيح للرئاسة على مصراعيه لمن يملك الحد الأدنى مِن التواجد الشعبي!
ومع هذا فـ"البرادعي" يرى أن الأمور لم تتغير قيد أنملة، وربما يكون الأدق أنها تحركت عكس الاتجاه الذي كان البعض يتمناه!
فمِن ثَمَّ انتقل "البرادعي" مِن خانة المرشح المحتمل للرئاسة -وبالمناسبة فهو وصف سوف يفقد بريقه تمامًا بمجرد انعقاد مجلس الشعب المنتخب، وكما أنه سيكون له تبعات بعد فتح باب الترشيح لانتخابات الرئاسة ليصبح مَن يقدم أوراقه مرشحًا حقيقيًا للرئاسة، وعليه أن يقدم رؤى ويطرح برامج، ويتفاعل مع مشكلات، وهي جلبة لم يعتد كثير ممن قدَّم نفسه كمرشح "محتمل" للرئاسة عليها، ومِن ثَمَّ يصعب عليهم الانتقال مِن المرشح المحتمل للمرشح الحقيقي- وبالتالي فقد تراجع "البرادعي" للخلف بدلاً مِن المضي إلى الأمام؛ ليعود إلى دور الملهم لثورة الشباب؛ حتى ولو مِن باب إنكار حقائق: كحقيقة أن شعبًا بأكمله خرج وانتخب وقرر، وأصبح له ممثلون وأن الدنيا لم تعد مجلسًا عسكريًا فحسب.
وعجيب أن يرى أحد أن هذا المناخ غير ملائم لانتخابات الرئاسة، وهو الذي كان يرى أنه مِن الممكن أن توجد انتخابات رئاسة في ظل وجود المجلس العسكري منفردًا، وهو الذي كان يرى أن المجلس العسكري مِن الممكن أن يعين مجلسًا رئاسيًا مدنيًا!
وعلى أي فقد عاد "البرادعي" إلى المربع "-1" بدلاً مِن الانتقال إلى المربع رقم "5" ضاربًا بذلك الرقم القياسي للتراجع إلى الخلف؛ فهل شاركه أحد في تلك الرؤية؟!
بلا شك سوف يتضح موقف شباب مصر في يوم خمسة وعشرين يناير القادم؛ لا سيما وأنه قرر أن يقود أتباعه بنفسه يوم 25 يناير -"هل يتذكر أحد أين كان البرادعي يوم 25 يناير الماضي؟! وهل يتذكر أحد هؤلاء النفر الذين ضايقوا ملهم الثورة المصرية يوم 28 يناير؛ فقرر العدول عن نزول التحرير وعاد من حيث أتى؟!"-.
ولكن الساسة أعلنوا موقفهم حيث جاء موقف غالبيتهم حتى ممن يشتركون معه في الرؤية الليبرالية أننا نرفض العودة إلى الخلف بينما أيده بعضهم، ولكن المفاجأة الكبيرة أن تتوافق تلك الرؤية التشاؤمية مع رؤية "كارتر" -رجل السلام!- الذي دعا ضمنيًا إلى العودة إلى نفس المربع "-1" بعبارات خاطفة، قال فيها: "إن المجلس العسكري لن يترك السلطة بسهولة".
قالها "كارتر" وركب طائرته وانصرف، وها نحن ننتظر يوم خمسة وعشرين يناير: هل سننتقل إلى أخر خطوات خارطة الطريق التي اخترناها لأنفسنا أم سننفذ الإرادة الأمريكية ونعود للمربع "صفر" آسف "-1"؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت بجريدة "الفتح" بتاريخ الجمعة 26 صفر 1433هـ - 20 يناير 2012م.