النظام القضائي ونظرية العقوبة في الإسلام
إيهاب إبراهيم • قضايا معاصرة
لقد قرر الإسلام أن العقوبة دنيوية وأخروية، والأصل فيها أنها في الآخرة, ولكن اقتضى تنظيم العلاقة بين الناس وضمان مصالحهم, ونشر الاستقرار في المجتمع أن يوقع الإسلام بعض العقوبات في الدنيا.
وقبل ذلك؛ فقد اعتنى الإسلام بتقرير العقيدة الإسلامية في نفوس الخلق، وقرر فيها أن الله رقيب على أفعال العباد, قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (النساء:1) , ففي ذلك ردع ذاتي عن ارتكاب الجرائم, كما أمر الله المجتمع المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفي ذلك يوصي بالبعد عن الجرائم, وينهى عن الاقتراب منها, وبذلك يضيق الإسلام على مكامن الشر في النفوس.
بيد أن بعض الناس قد لا ينفعه الوعظ والتذكير، وتسوِّل له نفسه اقتراف المعصية أو الجريمة؛ فكان لا بد من توقيع العقاب عليه, ردعًا له, وزجرًا لكل مَن تسول له نفسه الوقوع مثله في المعصية أو ارتكاب الجريمة.
وفي نظر الإسلام: فإن تشريع العقوبة رحمة مِن الله لعباده؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ) (رواه الترمذي والحاكم, وصححه الألباني) , وذلك أن عقاب الدنيا أيًا كان فهو أخف من عقاب الآخرة، وهو أيضًا منقطع بالموت على العكس مِن عقاب الآخرة, وهي أيضا: زجر للعباد عن الجرائم قبل القيام بها.
وهي بمثابة كي العضو المصاب من المريض؛ كي لا يسري المرض في باقي الأعضاء, وأداة لاستقرار المجتمع، وطمأنينة للناس على مصالحهم وحقوقهم.
كما أن نظام العقوبات في الإسلام لا يفرِّق بين أفراد المجتمع, فالناس سواسية في نظر القضاء الإسلامي, ويقرر الإسلام أن التفرقة بين طبقات المجتمع في تطبيق الحدود والعقوبات كانت من أسباب هلاك هذه المجتمعات, قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ) (متفق عليه) , وفي إقامة الحدود والعقوبات على الأقوياء ردع لهم؛ لعدم استخدام هذه القوة في التعدي على الخلق.
كما حرم الإسلام الشفاعة في الحدود؛ فهي حق لله يجب تطبيقه, وإذا رفع الحد للقاضي لا تجوز الشفاعة فيه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- لأسامة بن زيد لما شفع في المرأة المخزومية التي سرقت: ( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ) (متفق عليه) , فالحدود حق لله -عز وجل-.
كما أن إمام المسلمين يجب عليه تطبيق الحدود، وعدم التهاون في ذلك؛ فعدم تطبيقها سبب في نقص الرزق والخوف من العدو، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ، خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ) (رواه ابن ماجه, وحسنه الألباني) .
وقد قام نظام العقوبات في الإسلام على أساسين عظيمين: "العدل والردع". فأما العدل: فإن كل عقوبة على قدر الجرم من دون حيف أو تهاون، وهي من لدن حكيم خبير, على عكس ما يظن مَن قصر نظره, وضعف عقله عن إدراك الحكمة.
فقد يتخيل البعض أن عقوبة قطع يد السارق -على سبيل المثال- فيها إهدار لآدميته، ونسي أو تناسى أن ذلك بما اقترفت يداه من خرق للجدار، وترويع للآمنين والاعتداء على أموال الغير وربما أرواحهم إذا قوبل بمقاومة.
وقد أنشد أحدهم معرِّضًا بأحكام الشريعة موهمًا بوقوع التناقض فيها! وهو أبو العلاء المعري في قوله:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخـيـانـة فـافـهـم حكـمة الباري
ورد آخر، وقال: "لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت".
وقد يدعي البعض أن العقوبات في التشريع الإسلامي فيها حجر للحرية الشخصية, مثل: الزنا وشرب الخمر, وهذا في الحقيقة مِن أوهى الدعاوى، وبطلانها يغني عن إبطالها؛ فإن الحرية الشخصية تتوقف عند التعدي على حقوق الآخرين أو على آدمية الإنسان, فإن الزاني تعدى على حقوق الآخرين, وولج في إناء غيره, ولا شك في أضرار الزنا على المجتمع مِن شيوع الفحش والأمراض، وتضييع الأنساب.
أما الخمر؛ ففيها إهدار لآدمية الفرد وتعطيل لعقله، وهو أشرف ما فيه، ومُيز به عن الحيوانات, والمفاسد المترتبة على شرب الخمر لا يجحدها منصف، مثل: شيوع الجرائم، وفساد الأخلاق.
أما الأساس الثاني: وهو الردع, فإن العقوبة توقع بالمعاقَب ألمًا يظل دائمًا واعظًا له عن تكرار الجريمة؛ إنه تشريع اللطيف الخبير: ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:15) .
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.