شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شبهات حول طريقة اختيار الحاكم في الإسلام

الشيخ ياسر برهامي • الحاكمية والسياسة الشرعية

السؤال:

1- ذكر د/ س من الناس أن هناك 4 طرق لاختيار الحاكم في الإسلام: (البيعة - أن يعهد الحاكم إلى مَن يليه - أن يعهد الحاكم إلى مجموعة مِن الناس مِن بعده يختار منهم أهل الحل والعقد الحاكم - أو إذا خرج على الحاكم رجل من عامة الناس فغلب وتمكن؛ فله البيعة).

وقال: إن هذا هدي الصحابة، واتهم الأحزاب الإسلامية ومَن يشارك فيها إنه آثم، وأن الله سوف يوله ما تولي ويصله جهنم وساءت مصيرًا، وأن هؤلاء الذين يشاركون في الأحزاب علمانيون وليبراليون بلحى، وغير ذلك...

2- وقال: إن خبر طواف عبد الرحمن بن عوف على أهل المدينة بعد مقتل عمر يسألهم مَن يختارون لخلافة عمر خبر لا يصح، وكذب على عبد الرحمن بن عوف.

فأرجو مِن حضرتك توضيح هذا الأمر والرد عليه، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

1- فما ذكره مِن الطرق ليست نصًا عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا نَقل أحد إجماعًا -فيما أعلم- أنه لا يصح غير ذلك.

ولا نشك أن جعل الأمر شورى في أهل الحل والعقد هو الواجب في كل زمان، ولكن لا بد من النظر إلى المقدور عليه والمعجوز عنه، واعتبار المصلحة والمفسدة، ( إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) (هود:88) ، وما هو الأقرب إلى مقصود الشرع.

فهل ينبغي لنا أن نترك المنافقين والكافرين يحددون للأمة مستقبلها؛ بزعم عدم المشاركة في الأحزاب؟!

والأحزاب التي أثبتت المرجعية الإسلامية، وقامت للتعاون على البر والتقوى، وبذل الجهد في الإصلاح قدر الإمكان، والمحافظة على هوية الأمة الإسلامية، ومنع التشريعات المخالفة للشريعة، وبذل الجهد في سن التشريعات الموافقة لها؛ كيف يقاس هذا على أحزاب الضلالة التي فرَّقت الدين أو فارقته، قال الله -تعالى-: ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (الروم:31-32) ، فهل فرَّقنا الدين؛ فآمنا ببعض، وكفرنا ببعض؟! هل كنا من المشركين؟! وهل فارقنا الدين على القراءة الأخرى: ( فَارَقُوا دِينَهُمْ )؟!

فهل أحزابنا الإسلامية التي لها المرجعية لأهل العلم -الذين هم أهل الحل والعقد في الحقيقة- هي أحزاب الضلال التي يستدل بها هذا المذكور -د. س من الناس-؟!

2- وأما بالنسبة لخبر طواف عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- على أهل المدينة بعد مقتل عمر -رضي الله عنه- يسألهم مَن يختارون لخلافة عمر، فقد قال الإمام البخاري في صحيحه:

"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: "لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمُ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ". فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ، فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلاَ يَطَأُ عَقِبَهُ.

وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ، قَالَ المِسْوَرُ: طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ البَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ: "أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا"، فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ، فَشَاوَرَهُمَا... ".

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في البداية والنهاية: "وَيُرْوَى أَنَّ أَهْلَ الشُّورَى جَعَلُوا الأَمْرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ لِيَجْتَهِدَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَفْضَلِهِمْ فَيُوَلِّيَهُ، فَيُذْكَرُ أَنَّهُ سَأَلَ كُلَّ مَنْ يُمْكِنُهُ سُؤَالُهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى وَغَيْرِهِمْ، فَلا يُشِيرُ إِلا بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حَتَّى أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أُوَلِّكَ، فَمَنْ تُشِيرُ بِهِ؟ قَالَ: بِعُثْمَانَ. وَقَالَ لِعُثْمَانَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أُوَلِّكَ، فَمَنْ تُشِيرُ بِهِ؟ قَالَ: بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَصِرَ الأَمْرُ فِي ثَلاثَةٍ، وَيَنْخَلِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْهَا لِيَنْظُرَ الأَفْضَلَ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالإِسْلامُ لَيَجْتَهِدَنَّ فِي أَفْضَلِ الرَّجُلَيْنِ فَيُوَلِّيهِ، ثُمَّ نَهَضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، يَسْتَشِيرُ النَّاسَ فِيهِمَا، وَيَجْتَمِعُ بِرُءُوسِ النَّاسِ وَأَجْنَادِهِمْ؛ جَمِيعًا وَأَشْتَاتًا، مَثْنَى وَفُرَادَى وَمُجْتَمِعِينَ، سِرًّا وَجَهْرًا، حَتَّى خَلَصَ إِلَى النِّسَاءِ الْمُخَدَّرَاتِ فِي حِجَابِهِنَّ، وَحَتَّى سَأَلَ الْوِلْدَانَ فِي الْمَكَاتِبِ، وَحَتَّى سَأَلَ مَنْ يَرِدُ مِنَ الرُّكْبَانِ وَالأَعْرَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فِي مُدَّةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، فَلَمْ يَجِدِ اثْنَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ".