القوي الأمين
محمد إسماعيل أبو جميل • قضايا معاصرة
( مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ ) (رواه مسلم) ، وكل منا لا سيما أهل العلم والدراية له نصيب مِن هذا الحديث، فكلنا على هذه الولاية واقف وصوته مؤثر في الاختيار، وإنها لأمانة لا بد أن تودع عند مَن يستطيع تحملها، ولو اختار أحدنا الأقل صلاحية فإنها خيانة لمن ورائه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (الأنفال:27) .
وقد اختلف الصديق والفاروق أفضل الخلق على الإطلاق بعد الأنبياء في تقييم الأشخاص وتحديد الأصلح، إذ لما قدم ركب من بني تميم على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أبو بكر للنبي –صلى الله عليه وسلم-: "أَمِّرِ القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ"، وقَالَ عُمَرُ: "بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ... " (رواه البخاري) .
وفي الفتنة التي ابتلي بها الصحابة بين علي ومعاوية –رضي الله عنهما-، بعض الصحابة رأى حقًا وبعضهم رأى خطأ، وبعضهم لم يرَ شيئًا، وكلهم مجتهد -رضي الله عنهم أجمعين-، فنسأل الله السداد والبصيرة.
مِن الكفاءة... عدم الطلب:
الكفء هو مَن يَقدر على تحمل أعباء الولاية والقيام بها، ومن بيَّن الوحي أنه لن يقدر على ذلك لحرمانه من عون الله -جل وعلا-، فهو أبعد الناس عن وصف الكفاءة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن سَمُرَة -رضي الله عنه-: ( يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ أُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ) (متفق عليه) .
إن ابني هذا سيد:
قطعًا الحسن بن علي -رضي الله عنهما- هو الأفضل أمانةً من معاوية -رضي الله عنه- بشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك أفضل كفاءة، فالصحابة ومَن تبقى مِن أهل الشورى الذين تركهم عمر -رضي الله عنه- هم الذين بايعوه على الخلافة؛ فهو الأكفأ والأئمن، ولكن لأن هناك مصلحة أعلى وهي حقن دماء المسلمين وجمع كلمتهم؛ تنازل الحسن لمعاوية -رضي الله عنهما-، وفي كل خير؛ ولهذا كان سيدًا: ( إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ ) (رواه البخاري) .
المرجو المأمول... والواقع الممكن:
الكل يرجو ويأمل، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وقد يكون من حيثيات الواقع ما يمثل عقبات تمنع من اختيار مَن نتمناه، الذي لو خلا الأمر عن تلك الموانع؛ لكان هو المختار، وقد يضطر المرء لإتيان أقل المفسدتين لدفع أعظمهما، فبالأولى إتيان المفضول؛ لعدم التمكن من حصول الفاضل.
أي القضاة أنت؟!
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، والحق هنا هو العلم بالأئمن والأكفأ، فإنه يحتاج علم بالشرع ودربة بالواقع، وإن كان الجاهل والمقلد ليس لهم تولي القضاء -والقضاء هو الحكم ولو بين اثنين وإن تضاءلت أهمية القضية-، فلا يقضي في هذا الأمر الجلل إلا أهله -أهل العلم المجتهدون-، والناس في ذلك تبع لهم؛ لا سيما لو اجتمع أغلبهم على رأي فهو المقدم -إن شاء الله-، فإن لم يجتمعوا؛ فليتبع المقلد أوثق العلماء عنده متجردًا عن هواه في تحري الأوثق، فإنها شهادة، وستكتب شهادتهم ويسألون عنها.
فلنبقَ إخوانًا متحابين:
وأختم بقول الإمام الشافعي -رحمه الله- وقد اختلف مع بعض إخوانه فلقيه في الطريق فأخذ بيده، وقال: "أما يليق وإن اختلفنا أن نبقى إخوانًا". وقال: "ما ناظرت أحدًا إلا وأحببت أن يجري الحق على لسانه". وقال: "معي صواب يحتمل الخطأ، ومع خصمي خطأ يحتمل الصواب".
اللهم ولي أمورنا خيارنا، ولا تولي أمورنا شرارنا، ودبر لنا فإننا لا نملك من الأمر شيئًا، اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شر نفوسنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.