شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أيام العشر... ونفحات الخير

زين العابدين كامل • التزكية

خامسًا: ومن الأيام الفاضلة في العشر: "يوم عرفة" وما أدراك ما يوم عرفة؟! روى مسلم وغيره أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: ( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ ).

ولما كان عيد النحر أكبر العيدين وأفضلهما ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده، فقبله يوم عرفة وبعده أيام التشريق، وكل هذه الأعياد أعياد لأهل الموسم خاصة ولغيرهم أيضًا كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، ولهذا لا يشرع لأهل الموسم صوم يوم عرفة؛ لأنه أول أعيادهم وأكبر مجامعهم، وقد أفطره النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفة والناس ينظرون إليه.

ويوم عرفة هو يوم كمال الدين وإتمام النعمة: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) (المائدة:3) ، قَالَ عُمَرُ: "قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ" (متفق عليه) .

ويوم عرفة هو يوم العتق من النيران: عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟ ) (رواه مسلم) .

يوم عرفة هو اليوم المشهود الذي أقسم الله به: قال الله -تعالى-: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ . وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ . وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) (البروج:1-3) .

وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَاليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

وتأمل أحوال الصالحين في يوم عرفة ما بين خوفهم من الله، ورجائهم في الله: رؤي الفضيل -رحمه الله- يوم عرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة حتى إذا كادت الشمس تغرب قبض على لحيته ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: "واسوأتاه منك وإن غفرت"، ثم انقلب مع الناس.

وعن عبد الله بن المبارك -رحمه الله- قال: "جِئْتُ إلَى سُفْيَانَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَهْمِلانِ فَبَكَيْتُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقُلْتُ: مَنْ أَسْوَأُ هَذَا الْجَمْعِ حَالاً؟ قَالَ: الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لا يُغْفَرَ لَهُمْ".

وعن الفضيل -رحمه الله-: أَنَّهُ نَظَرَ إلَى بُكَاءِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ هَؤُلاءِ صَارُوا إلَى رَجُلٍ فَسَأَلُوهُ دَانِقًا أَكَانَ يَرُدُّهُمْ؟ قَالُوا: لا قَالَ وَاَللَّهِ لَلْمَغْفِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ إجَابَةِ رَجُلٍ بِدَانِقٍ".

أيها المسلمون...

من فاته التجرد من الملابس بالإحرام؛ فليزهد في الدنيا وليترك الحرام.

ومن فاته أن يلبي بلسانه؛ فليلزم وليلب بجنانه.

ومن فاته أن يطوف ببيت الرحمن؛ فليطف بقلبه في رياض القرآن.

ومن فاته السعي والمبيت بمنى؛ فليسع في الخير وليبت طائعًا ها هنا.

ومن فاته الوقوف بعرفة؛ فليقم لله بحقه الذي عرفه.

ومن فاته الذبح بمنى؛ فليذبح هواه ها هنا وقد نال المنى.

ومن فاته رمي الجمار؛ فليعص شيطانه وليُزل عن كاهله الأوزار.

ومن فاته الذكر والدعاء بالمشعر الحرام؛ فعليه بهما بالسحر والناس نيام.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة