العلماء بين حرمتهم وخطورتهم (1-2)
مصطفى صبحي • مع الدعاة
وإن كان غير تقديرهم وتعظيم شأنهم؛ فالويل والثبور والهلاك لمن حاول طمس نورهم أو القدح في شخصهم، فإن "لحوم العلماء أشواك؛ من أمسك بها مزقت يديه، ومن أكلها أدمت فاه"، وفي الحديث القدسي: ( مَنْ عَادَى ليَ وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ ) (رواه البخاري) .
روى الخطيب البغدادي عن أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله- أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء أولياء لله فليس لله ولي"، وقال الشافعي: "الفقهاء العاملون". أي أن المراد: هم العلماء العاملون.
وعن عكرمة -رحمه الله-: "إياكم أن تؤذوا أحدًا من العلماء، فإن من آذى عالمًا فقد آذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
لما استهزأ رجل من المنافقين بالصحابة -رضي الله عنهم- قائلاً: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء"؛ أنزل الله -عز وجل-: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) (التوبة:65-66) .
قال ابن المبارك -رحمه الله-: "من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته". وقال الإمام أحمد بن الأذرعي: "الوقيعة في أهل العلم -ولا سيما أكابرهم- من كبائر الذنوب". وروي عن الإمام أحمد أنه قال: "لحوم العلماء مسمومة، من شمَّها مرض، ومن أكلها مات".
عن مخلد قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: "ذكرتُ يومًا عند الحسن بن ذكوان رجلاً بشيء، فقال: "مه! لا تذكر العلماء بشيء فيميت الله قلبك". وقال بعض العلماء: "أعراض العلماء على حفرة من جهنم".
قال الحافظ ابن عساكر -رحمه الله-: "واعلم يا أخي -وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته-: أن لحوم العلماء -رحمة الله عليهم- مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لِنَعش العلم خلق ذميم... ". وقال: "وكل من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله -تعالى- قبل موته بموت القلب"، ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) .
بيد أنه بيْن فضلهم وحرمة أعراضهم كانت خطورتهم، فالعالِم أخطر رجل في أرض الظلم وأرض الضلال، وكيف لا؟! وهل أرَّق الحكام والمنافقين إلا العلماء؟!
وللحديث بقية -إن شاء الله- إن كان في الأجل بقية...
وصلِّ اللهم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.