عبودية المسلم في فصل الشتاء
زين العابدين كامل • التزكية
عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: "ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء".
ومعنى كونها غنيمة باردة: أنها غنيمة حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة فصاحبها يحوز هذه الغنيمة بغير كلفة؛ وذلك لأن نهار الشتاء قصير فلا يشعر بمشقة من جوع أو عطش ولذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات، وفي الحديث: ( الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ ) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وفي الحديث أيضًا: ( الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .
ثانيًا: قيام الليل:
قال -تعالى-: ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ) (الزمر:9) ، ولما هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة كان يحث على قيام الليل وأنه طريق إلى الجنة، فعن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلامٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
عن الحسن -رحمه الله- قال: "نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل فيقومه، ونهاره قصير فيصومه"، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "مرحبًا بالشتاء تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام"، وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: "يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرءوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا".
وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "ألا إن الله يضحك إلى رجلين: رجل قام في ليلة باردة من فراشه ولحافه ودثاره فتوضأ ثم قام إلى الصلاة فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي على ما صنع؟ فيقولون: رجاء ما عندك وشفقة مما عندك، فيقول الله: فإني قد أعطيته ما رجا وأمنته مما يخاف".
وقال الحسن -رحمه الله-: "أفضل العبادة الصلاة في جوف الليل"، وكان صفوان وغيره من العُبَّاد يصلون في الشتاء بالليل في ثوب واحد ليمنعهم البرد من النوم، ومنهم من كان إذا نعس صب على نفسه الماء وقال: "هذا أهون من صديد جهنم"، قال الحسن البصري -رحمه الله-: "ما ترك أحد قيام الليل إلا بذنب أذنبه فتفقدوا أنفسكم عند كل ليلة عند الغروب وتوبوا إلى ربكم لتقوموا الليل"، وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "إذا غربت الشمس فرحت بالظلام حتى أخلو بربي".
وكان أبو حصين كثير القيام بالليل، وكان يضع عصاه بجواره فإذا أحس أن رجليه لا تقويان على حمله ضربهما بالعصا، وقال: "أنتما أحق بالضرب من دابتي، أيظن أصحاب محمد أنهم لم يخلفوا بعدهم رجالاً، والله لأزاحمنهم على الحوض يوم القيامة"، وقال حسن البنا: "دقائق الليل غالية فلا ترخصوها بالنوم".
ثالثًا: إسباغ الوضوء على المكاره:
اعلم أن من الوظائف الفاضلة في موسم الشتاء الوضوء في شدة البرد، وهو إسباغ الوضوء على المكاره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ )، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ( إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيُكَفَّرُ بِهِ الذُّنُوبَ؟ ) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكْرُوهَاتِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكَ الرِّبَاطُ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .
وإسباغ الوضوء: تمامه على الوجه الأكمل، والمكاره: تكون بشدة البرد وألم الجسم ونحو ذلك. قال القاضي عياض -رحمه الله-: "محو الخطايا كناية عن غفرانها"، قال: "ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ويكون دليلاً على غفرانها". ورفع الدرجات: إعلاء المنازل في الجنة. وقوله: ( فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ): أي الرباط المرغوب فيه، وأصل الرباط الحبس على الشيء كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، ويحتمل أن يكون أفضل الرباط كما قيل: جهاد النفس.
الواجب الثالث: تأملات في آيات الله الكونية:
في فصل الشتاء نتعرض لبعض الآيات الكونية، مثل: الرياح والغيم والرعد والبرق، فلابد لنا من وقفة مع هذه الآيات، لابد أن نتفاعل معها كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتفاعل مع الآيات الكونية، عن عائشة -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- َكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ: ( يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) (رواه مسلم) .