شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

القضاء في الإسلام (خطبه مقترحة)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

التعريف بما ينبغي أن يكون عليه القضاء الشرعي العادل.

مكانة القضاء في الإسلام:

تعريف القضاء: هو الفصل بين الناس في الخصومات حسمًا للتداعي وقطعًا للنزاع بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة (قاله ابن عابدين الحنفي) .

ـ القضاء لإقامة العدل الذي هو من أعظم مقاصد الدين: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحديد:25) ، ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) (النحل:90) .

ـ الحاكم مسؤول عن إقامة القضاء بنفسه أو غيره: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) (المائدة:49) .

ـ أول من تولى القضاء هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة: "إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله -عز وجل-، وإلى محمد رسول الله".

ـ إرسال النبي -صلى الله عليه وسلم- القضاة إلى الأمصار: "علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل إلى اليمن ـ عتاب بن أسيد إلى مكة".

خطورة منصب القضاء:

ـ القضاء مسؤولية عظيمة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

ـ اختيار القضاة على معايير الشرع: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "من تولى من أمر المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسول الله، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّا وَاللهِ لا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ ) (متفق عليه) ، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ".

ـ ورع السلف عن تولي القضاء خشية التقصير: ذكر أبو عمر بن يوسف في كتاب "الولاة وكتاب القضاة" أن: "يزيد بن حاتم أراد أن يولي حيوة بن شريح القضاء فامتنع فدعا له بالسيف، فلما رأي ذلك أخرج مفتاحًا كان معه وقال: هذا مفتاح بيتي ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأى الأمير عزيمته تركه".

أنواع القضاة:

ـ أنواع القضاة (عادل ـ جائر ـ جاهل): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( القُضَاةُ ثَلاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الجَنَّةِ: رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَذَلِكَ فِي الجَنَّةِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

ـ القاضي العادل مؤيد من الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ القَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

ـ القاضي الجائر أظلم الناس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله -تعالى-: ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا... ) (رواه مسلم) . فكيف بظلم القاضي المسلط على الدماء والأموال والأعراض؟!

ـ القاضي الجاهل مهلك لنفسه ولغيره: قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لرجل كان يقضي بين الناس: "هل تعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هل أشرفت على مراد الله في أمثال القرآن؟ قال: لا، قال: إذن هلكت وأهلكت".

شروط واجبة في القاضي:

لما كان القضاء من أهم الوظائف وأخطرها، كان لابد من شروط يتأهل بها القاضي لذلك، ومنها:

ـ الإسلام: ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (النساء:141) .

ـ العدالة: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (البقرة:44) ، ونهى عن القضاء وهو على صورة تؤثِّر على عدالته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ) (متفق عليه) .

ـ الذكورة: ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز تولي المرأة الولايات العامة كالوزارة والقضاء ونحوهما؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً ) (رواه البخاري) ، ونُقل عن أبي حنيفة جواز توليها القضاء في الأموال دون القصاص والحدود بينما نُقل عن ابن جرير الطبري جواز أن تكون المرأة قاضية على كل حال. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر -رضي الله عنه- الرقيق العواطف لما سأله أن يستعمله: ( يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) (رواه مسلم) .

ـ العلم: بأحكام الكتاب والسنة والإجماع واللغة ومواضع الاجتهاد.

بماذا يحكم القاضي؟

ـ الأصل في الحكم والقضاء الحكم بالشريعة الإسلامية العادلة: ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) (المائدة:42) ، وقال ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (النساء:58) ، ثم بيَّن العدل فقال: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) (المائدة:49) .

الصفحة التالية