في حوادث القطارات... "الإهمال بيت الداء والأمانة والرقابة دواؤه"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ونحن ندعو جميع الأحزاب الصادقة في خدمة بلادها أن تضع خبرات كوادرها الفنية في هذا الباب تحت تصرف الحكومة الحالية "خدمة لشعب مصر".
إلا أننا في هذا المجال نتحدث عن جانب إعداد العاملين للشعور بروح المسؤولية والتخلص من عادة الإهمال الذي يعتبر أحد أخطر العادات السلبية في الشعب المصري، والتي يمكن أن تطيح بأثر الكثير من العادات الحسنة فيها؛ لا سيما عندما يتزاوج الإهمال مع الفساد المالي والإداري كما استطاع النظام السابق أن يفعل ذلك بدرجة شديدة الفجاجة!
فنقول -مخاطبين جميع فئات المجتمع؛ لا سيما مَن يعملون في أعمال يؤدي الإهمال فيها إلى القتل: كمرفق السكك الحديدية-: إن علينا أن نعني أن "الدين هو القاطرة الأساسية للأخلاق في الشعب المصري"، وأن هذه القاطرة قد أهملت بمثل ما أهملت به قاطرات السكك الحديدية، بل تجاوز الأمر من الإهمال إلى المحاربة الشديدة والإفساد! ومِن ثَمَّ نحتاج إلى أن نضع هذه القاطرة في مكانها الصحيح مرة ثانية.
نريد أن نتذكر وأن نكتب على حوائط العمل وجدران القلوب قوله -تعالى-: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (التوبة:105) .
نريد أن نضع نصب أعيننا قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّ الله يُحِبُّ إِذا عَمِلَ أحَدُكُم عَمَلاً أنْ يُتْقِنَهُ ) (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وأبو يعلى، وحسنه الألباني) .
نريد أن يدرك الرئيس والوزير والخفير كلهم بنفس الدرجة قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعَيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) .
وهذه المسؤولية تشمل المسؤولية أمام الناس -وهي التي سوف نتحدث عنها لاحقًا-؛ إلا أنها في المقام الأول مسؤولية أمام الله -تعالى-، فيجب على كل متهاون بعمله لا سيما إذا كان هذا التهاون قد يؤدي إلى سفك الدماء المعصومة أن يُعد للسؤال عند الله جوابًا.
إن العمل "أي عمل" أمانة من الأمانات؛ لا سيما تلك الأعمال الخطرة، ومِن ثَمَّ فينبغي لكل من تحدثه نفسه بشيء من الإخلال بواجبات وظيفته أن يتذكر قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (النساء:58) .
إن ولاية الرجل -ولو كان من أتقى الناس- لعمل عام يخشى عليه الضغف في أدائه هو نوع من خيانة الأمانة يؤدي يوم القيامة إلى الحسرة والندامة -والعياذ بالله-، كما ثبت عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) (رواه مسلم) .
إن إحياء قاطرة الإيمان من أجل أن تجر قطار الأمانة هو أمر في غاية الأهمية، ولابد بعد ذلك من سد مداخل الشيطان وإعانة الفرد على نفسه، فحينما منع النبي -صلى الله عليه وسلم- عُماله من أن يتقاضوا أي شيء ولو على سبيل الهبة -"لأنها غالبًا ما تكون رشوة مقنعة فمنع منها سدًا للذريعة"- في ذات الوقت جعل لهؤلاء العاملين الحق في اتخاذ الزوجة والخادم والسكن، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلاً فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا، مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ ) (رواه أبو داود والحاكم، وصححه الألباني) ؛ كل هذا من أجل منع "الرشوة المقنعة"، وأما الصريحة فجاء فيها اللعن الصريح؛ لزجر المؤمنين عن سلوك سبيلها.
وبعد هذا كله... يأتي دور المتابعة والمراقبة: وهو مبدأ طبقته "دولة الخلفاء الراشدين"، كما ورد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين سأل الناس:
"أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرتُه بالعدل، أكنت قضيتُ ما عليَّ؟
قالوا: نعم يا أمير المؤمنين.
قال: لا! حتى أنظر في عمله: أعمل بما أمرتُه به أم لا؟".
وكلما تعقدت حياة الناس وتشعبت، وكلما قل الوازع الإيماني... كلما كان الناس في حاجة أكثر إلى المتابعة الدقيقة والمحاسبة الصارمة، وإننا نؤكد من خلال هذا التصور أو من خلال غيره على ضرورة التحرك الفوري في حدود المتاح، مع عدم إغفال الخطط الطويلة الأجل.
نسال الله أن يتقبل ضحايانا في الشهداء، وأن يرزق ذويهم الصبر والسلوان، وأن يشفى جرحانا شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمين.