شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المشاركة السياسية... وموازين القوى!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيتهم الكثيرُ السلفيين بالسلبية والانعزالية، وعدم مسايرة الواقع؛ بسبب إعراضهم عن المشاركة في اللعبة السياسية، وذلك في معظم البلدان التي تظهر فيها دعوات سلفية، والحقيقة أن معظم السلفيين لا يشاركون في اللعبة السياسية ليس لأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين كما يصرح بذلك العلمانيون! وكما يحلم به طوائف منهم أن تجعل الدعوات السلفية كذلك "تنظيرًا أو تطبيقًا".

وإن أهل الإسلام عمومًا "وأهل السنة وأتباع السلف خصوصًا" يعتقدون شمولية الإسلام لكل جوانب الحياة؛ الفردية منها والجماعية، والوطنية منها والدولية، الاعتقادية والعبادية والأخلاقية، وجوانب المعاملات والسياسة، والاقتصاد والاجتماع، وأنظمة الحياة كلها؛ تحقيقًا لقول الله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) ، وقوله- تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (البقرة:208) .

( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ): أي في الإسلام كله كما عليه كل أهل العلم بالتفسير، بل فصل الدين عن السياسة عندهم مروق مِن الدين وزندقة ونفاق، وجحد للمعلوم مِن الدين بالضرورة مِن أن القرآن قد نزل بأحكام شاملة، منها ما يتعلق بالسياسة والاقتصاد، والحرب والسلام، والموالاة والمعادة، ونظام الحكم ونظام القضاء، والعقوبات من حدود وتعزيرات، وغير ذلك.

وقد طبق الرسول -صلى الله عليه وسلم- بسنته ذلك وبيَّنَه وفصَّلَه، وطبقه خلفاؤه الراشدون -رضي الله عنهم-، وأئمة المسلمين مِن بعدهم عبر العصور بلا نكير ولا منازع، وقد سمعتُ بنفسي الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- وقد سئل عمن يقول: "لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين"، فقال -رحمه الله-: "فصل الدين عن السياسة كفر مستقل"، وكررها مرات...

فأهل الإسلام إذن لا يوافقون العلمانيين على معتقدهم ذلك، ولا على تطبيقهم، ولكن يختار السلفيون الإعراض عن المشاركة في اللعبة السياسية؛ لأن معطيات هذه اللعبة في ضوء موازين القوى المعاصرة عالميًّا وإقليميًّا وداخليًّا لا تسمح بالمشاركة إلا بالتنازل عن عقائد ومبادئ وقيم لا يرضي أبدًا أحدٌ من أهل السنة أن يضحي بها في سبيل الحصول على كسب وقتي، أو وضع سياسي، أو إثبات الوجود على الساحة، فهذه المبادئ أغلى وأثمن من أن تُبَاع لإثبات موقف أو لإسماع صوت بطريقة عالية، ثم لا يترتب على هذه المواقف في دنيا الواقع شيء يُذكَر من الإصلاح المنشود والتطبيق الموعود لشرع الله.

وكم ضحَّى أناس بعقيدة التوحيد حين قالوا: "إن الإسلام لا يناقض العلمانية "على ما هي عليه مِن إنكار المعلوم مِن الدين بالضرورة -كما ذكرنا-!".

وحين قالوا: إن الإسلام لا يعارض حرية الإلحاد والإباحية باسم الأدب! وأنه لو رفض الناس من خلال صناديق الاقتراع شرع الله، ووافقوا على إلغاء مرجعية الشريعة لالتزموا هم بذلك! ولو جاءتهم صناديق الاقتراع برئيس كافر أو ملحد أو شيوعي فهم ملتزمون بذلك، وأن المسلم والكافر عندهم سواء حتى في الولايات الكبرى والأمانات العظمى المنوطة بأهل الإسلام!

ومع كل ذلك لم يجدوا لهم مكانًا يذكر في وسط المفارقات السياسية، ولا أثرًا يعتبر، بل ظل أعداؤهم يكيلون لهم الاتهامات والضربات، فقبضوا ثمنًا غاليًا مقدمًا، ثم لم يُسْلِموا السلعة ولا حتى جزءًا منها!

فلذلك كان هذا هو الموقف من المشاركة في ضوء هذه المعطيات، وهذه الموازين للقوى التي لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا إلا ما كان مِن مصالح هذه القوى، ولا ترعى حتى المبادئ المخترعة، والمقدسات المزعومة مِن الحرية والمساواة والديمقراطية، واحترام إرادة الشعوب وحقوق الإنسان؛ فإن هذه الأمور حكر على شعوب الغرب ومَن وافقهم ودار في فلكهم، أو أنهم لا يعتبرون شعوب العالم بشرًا لهم حقوق الإنسان، فالكل جازم بلا تردد أن الشعوب الإسلامية لا ترضى بغير الإسلام بديلاً، ولا تقبل بغير رابطته الدينية عقدًا للمجتمع وحبلاً للأمة تتمسك به، ولا تختار غير شريعة الإسلام إجمالاً وتفصيلاً، مبادئ وأحكامًا، في السابق واللاحق، مصدرًا ومرجعًا في كل ما يقع من تنازع؛ تحقيقًا لقول الله -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .

ومع ذلك فهذه الشعوب محرومة منذ عصور وعقود مِن أن تعيش حياتها وفق ما تدين به وتختاره وتريده، بل يُفرَض عليها نظام الغرب الجائر أو الشرق الحائر باللين والهوينى تارة، والخداع والتدليس تارة، وبالبطش والتنكيل تارات؛ وذلك أن العبرة عند القوم بميزان القوة، وما تفرضه مصالح أصحابها وفق نظرتهم العمياء، وموازينهم الخرقاء للمصالح والمفاسد.

ومع ذلك فالسلفيون لا يهملون أبدًا العمل مِن أجل عودة الشريعة وظهور سلطان الدين في كل مظاهر الحياة؛ ليس مِن خلال المشاركة في اللعبة السياسية وأوهامها وأحلامها وتصريحاتها، ولكن مِن خلال السعي إلى تغيير موازين القوى في الأرض؛ لأنهم يوقنون بأن هذه الموازين ليست بأيدي البشر بأجمعهم، وأن كل قوى البشر؛ أفرادًا وجماعات، ودولاً ومنظمات هي في النهاية لهو ولعب ( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ) (الطور:45) ، ( إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) (محمد:36) .

الصفحة التالية