المجمعات الانتخابية لـ"حزب النور" والعمل المؤسسي
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد اعتاد أغلب المصريين فيما يتعلق بالانتخابات على طريقة الحزب الوطني القديم حيث كان يسيطر فرد أو مجموعة أفراد على ترشيحات الحزب في الانتخابات حيث تطغى المصالح المادية والولاء الشخصي على معايير التقييم، وظن الكثيرون أن هذه هي الطريقة الوحيدة في الاختيار حتى ولو جاءت آليات أخرى لتحقيق طريقة أفضل في الاختيار، فإن الأكثر يظن أنها مجرد صورة أو تمثيلية لإرادة فوقية لبعض أصحاب مراكز القوى، وربما عمل البعض على توثيق علاقته بمن يظنهم أصحاب القرار حتى يحقق ما يريد من تقديمه على غيره في الترشح!
ونحن بهذا الصدد نحب أن نؤكد على عدة نقاط:
أولاً: مسألة التنافس على المسئوليات والوظائف بحيث يحزن المرء على أنه لم يتم اختياره لمسئولية معينة أو يزيد الأمر على مجرد الحزن حتى يهدد بالاستقالة من الحزب أو الدعوة والانضمام لغيرهما أمرٌ نهى عنه الشرع، ويدل على وجود خلل تربوي مرده إلى نقص في التطبيق الباطن لقوله -تعالى-: ( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) (النجم:32) ، ولقوله: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ) (الأحزاب:72) ، فالصحابة كلهم ودوا لو أن غيره كفاه مئونة السؤال فضلاً عن تحمل مسئولية أمة بالملايين في مرحلة انتقالية شديدة البأس في رقبة المسئول من حاجات وحقوق وواجبات ملايين من المواطنين.
ثانيًا: إن المعايير والصفات هي التي لابد أن تُقدم في الاختيار على الولاء الشخصي أو القدرة المادية أو ممارسة الضغوط بتعريض مصالح الحزب والدعوة للخطر؛ فلابد من التجرد عند الاختيار، والإخلاص لوجه الله -تعالى- في النصح للأمة.
ثالثًا: إن القرار الجماعي المبني على الشورى دائمًا أقرب إلى الصواب والقرار الفردي مهما كانت إمكانية صاحبه دائمًا أقرب للخطأ مع احتمالية العكس في كل منهما، لكن الشرع أمرنا بالشورى كما في قوله -تعالى-: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى:38) ، ومع الاتفاق على آلية معينة لحسم الخلافات الطبيعية في وجهات النظر، ومع تقارب صفات المقوِّمين يصبح الالتزام برأي جماعي قائم على التصويت بعد المناقشة ضرورة لا يمكن القبول بغيرها، والمسلمون عند شروطهم.
رابعًا: إن حزب النور حين وضع آلية المجمعات الانتخابية لاختيار المرشحين وفقًا لمعايير منضبطة وشاملة للنواحي المختلفة قد وضع خطوة على طريق العمل المؤسسي الجماعي لابد أن يسعى الجميع لإنجاحها لالتزامها بالصدق والشفافية، فهي ليست ديكورًا، ولكنها بداية نرجو لها التوفيق.
خامسًا: بالتأكيد سوف ترضي قرارات المجمعات الانتخابية البعض وتسقط البعض، وقد تكون صائبة أو خاطئة، وقد تكون ناجحة أو فاشلة كأي عمل بشري، ولكن لابد أن نقبل بنفوس صافية راضية ما تم تقريره من آليات صحيحة متفق عليها وافق ذلك رأينا أو خالفه.
ومن كُلف بمسئولية كان يرغب في إعفائه منها فليستعن بالله وليخلص النية في الالتزام، وليقدم على تحمل مسئولية هو معان عليها -بإذن الله-.
ومن أعفي من شيء كان يرى أنه أولى عطاء فيه؛ فليتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ ) (رواه البخاري) .
وليعلم أن دور المعاون ربما كان أهم من دور الأصيل، وربما كان النصر والتوفيق بالضعفاء وإن كانت الشهرة للزعماء، والعبرة في الحقيقة عند الله لا ما عند الناس، والثواب يعطيه الله ولا يعطيه الناس.
فليبادر أبناء الدعوة والحزب في العمل الجاد الصادق المخلص في هذه المرحلة؛ لتحقيق أفضل الخيارات نصحًا للأمة، ورغبة في تطبيق استكمال مسيرة تطبيق الشرع والعودة إليه.
ـــــــــــــــــــــــ
* نشرت بجريدة "الفتح" عدد (71)، الجمعة 5 ربيع الآخر 1434هـ - 15 فبراير 2013م.