العمل الجماعي بين الشورى والجندية
محمد إسماعيل أبو جميل • مع الدعاة
وكذلك فإن عالم السياسة عالم غامض باطنه أعمق من ظاهره بكثير؛ قد لا يُعلم فيه المخطئ من المصيب إلا بعد أزمنة عديدة -كما هو الحال في كثير من الأحداث التاريخية-، قد لا يوجد فيه قرار مصيب بدرجة مائة في المائة وقرار خطأ بدرجة مائة في المائة، بل يوجد فيه قرار يُلتزم به وسيتم دعمه "يزيد من قوة الكيان"، وقرار لا يلتزم به ولا يتم دعمه "يُضعف الكيان".
وأما عن التوازن بين الشورى والجندية الذي نقصده، فنقول للقيادة والتي تنتظر الجندية والطاعة من أتباعها أنها: عليها ألا تغفل عن الشورى بينها وبين أتباعها بالآلية التي يُتفق عليها "مشاورة الجميع أو من ينوب عنهم" فلا يُدرى على يد مَن سيقتح الله بالخير، وكذلك إذا اشتركت القاعدة بصورة ما في اتخاذ القرار "عن طريق الشورى" يكون ذلك من أكبر المحفزات لها على الاستجابة للقرار والعمل به؛ حتى لو كانت صورته النهائية على خلاف ما كان يرى البعض منهم.
ونقول لجميع أفراد الكيان ممن ليس في موقع القيادة أو اتخاذ القرار: لك حق وعليك واجب، أما الحق الذي لك فهو أن تضمن آلية سليمة في اتخاذ القرار من خلال عمل مؤسسي، وآلية شورى صحيحة لضمان أصلح القرارات لك وللمجموع كله.
وعليك واجب، أولاً لو وُفقت وكنت ممن استُشير في أمر فأحسن بذل النصح فالدين النصيحة، بل حتى وإن لم تتسنَ مشاورتك لاعتبار ما من ضيق وقت أو أن يقتضي الحدث سرعة في اتخاذ القرار لا تسمح بالوصول لكل أطراف الكيان؛ فعليك تقديم النصيحة ما استطعت لذلك سبيلاً إن تيسر لك.
ومن جهة أخرى: لو قدمتَ نصحك ومشورتك فلا يلزم أن يستقر عليها الاختيار، واعلم أنك فرد من مجموع الكل فيه مثلك يبذل النصح، وأن الاختلاف في الرؤى واقع لا محالة، وحينئذٍ لابد من الاستقرار على أمر واحد من كل الآراء المقترحة، وطالما أدير الأمر بطريقة صحيحة -أنت تعلم كيفيتها طالما كنت جزءًا من الكيان- فلا تجد في نفسك شيئًا إن قُدم رأي غيرك عليك، فليس معنى أنك قد استُشرت أن كلامك مُلزم فأنت واحد من مجموع.
وحينئذٍ يأتي دور جُنديتك وواجبها في تنفيذ القرار المتخذ -وإن ارتأيت خلافه- على النحو الذي بيَّنا، ولك في خالد بن الوليد -رضي الله عنه- وقصة عزله وتولية أبي عبيدة بن الجراح مكانه أسوة حسنة.
واعلم أن أساس أي تجمع أو كيان هو أن يتنازل الفرد عن بعض ما يراه حقًا له لأجل مصلحة المجموع؛ وإلا لما كان لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أحدهم ) معنى!
ومتى حدث هذا التوازن بين "الشورى" و"الجندية"، وتربى الأفراد قادة وجندًا على ذلك لسار القطار بهدوء، وكفينا قدرًا كبيرًا من العقبات الداخلية التي تعوقنا وتؤخرنا عن الوصول لما نبتغيه، ولأغلقنا بابًا عظيمًا من أبواب أمراض القلوب، ولسار الركب بهدوء وسلام.
أسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شر نفوسنا، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وألا يجعلنا مفاتيح للشر مغاليق للخير، وصلِّ اللهم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.