شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقيدة السلف في الصفات (شرح المنة 5)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وأخبر الله -عز وجل- عن صفة اليد بقوله : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة : 64) ، فلا يجوز بعد ذلك لعبد أن يقول : « إن اليد التي وصف الله بها نفسه هي جارحة ، أي جزء من الأجزاء ، وهذا لا يليق بالله ، ونحن نعرف ما يليق بالله ، فنصرف اللفظ الذي ورد إلى معنى آخر ، هو معنى القدرة أو النعمة » .

وكذلك لا يجوز لعبد أن يقول أن قوله -تعالى-: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) معناه قدرته أو نعمته ، لأن اللفظ لا يحتمل ذلك ، لماذا؟! لأن صفة القدرة صفة واحدة فلا نقول : إن لله قدرتين ، ولا أن لله نعمتين ، لأن الله نعمه لا تحصى -سبحانه وتعالى- وقدرته صفة ذاتية قائمة به -عز وجل- وكيف يقول في قوله : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) قدرتاه أو نعمتاه ؟!.

فالذي يُحَرِّف يُسمِّي ما يفعله تأويلاً ، والتأويل هي الكلمة المشهورة عندهم ، فلا يسمون التحريف تحريفاً ، ولكن يسمونه تأويلاً لنصوص متشابهة كما يزعمون ، يسمون نصوص آيات الصفات نصوصاً متشابهة تحتاج إلى تأويل ، فيؤولونها بهذه الألفاظ ، فعلى سبيل المثال لماذا ينفون الاستواء ؟! لأنهم يقولون : يلزم منه الجِهَة ، والجِهَة يلزم منها التَحَيُّز ، أي يكون الله -عز وجل- في حَيِّز ، وفي مكان معين .

والجواب عن ذلك أن الاستواء لا يلزم منه التَحَيُّز ، ولا أن الجِهَة بمعنى المكان المخلوق ، نحن نُثبت ما أثبته الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش ، ولفظ فوق التي يسمونها الجِهَة لا يلزم أن يكون مكاناً محدوداً يَحِلُّ فيه الرب -عز وجل- ، بل الله -سبحانه وتعالى- العلي الكبير ، فهو -عز وجل- أكبر ، نقول : الله أكبر ، أكبر من كل شيء ، فلا يحيط به شيء ، بل هو -عز وجل- بكل شيء محيط ، هو -سبحانه وتعالى- لا يَحِلُّ في شيء من مخلوقاته ، بل هو كما يقول السلف : «مُسْتَوٍ عـلى عرشه بائِنٌ من خلقـه» ، وبائنٌ أي منفصل ، لا يَحِلُّ في المخلوقات ، فالسموات السبع والأرضون السبع في كَفِّ الرحمن كخَرْدَلَة في كَفِّ أحدكم ، والخَرْدَلَة شيء خفيف جداً مثل الحبوب التي تكون في زهرة النبات ، والله أعلى وأعلم .

ونقول : إن هذا الذي حَرَّفَ كأنه يقول لله -عز وجل- إن الصفة التي وصفتَ بها نفسك ، ووصفكَ بها رسولك -صلى الله عليه وسلم- لا تليق بك ، وأنا ألغيها وآتي بما يليق بك ، فما أقبح هذا وما أشد سوء أدبه ، فالله -عز وجل- أعلم بنفسه ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلم بربه ، ولا يجوز أن نقول إن الكتاب والسنة يظهر منهما الباطل .

فلذلك نقول لا يجوز أن نَصِفَ الرب -سبحانه وتعالى- إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا نُحرِّف ، والتحريف نوع من التعطيل وإن كان دون التصريح بالتعطيل ، فالذي يُحرِّف يحاول ألا يُكَذِّب صريح القرآن فيُؤوِّل ، وهذا فعل المعتزلة والأشاعرة ، وأصل هذه التأويلات هي تأويلات الجهمية لما فشلت حيلتهم في رد الكتاب صراحةً ، وفي رد السنة صراحةً ، لجؤوا إلى التأويل ، ولكن لأجل عدم معرفة المتأخرين بعقيدة السلف ، أصبحت عقيدة هؤلاء الجهمية هي عقيدتهم ، وإن كانوا لا يُسَمُون أنفسهم بالجهمية.

الصفحة السابقة