شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تطهير القضاء... غاية نبيلة ووسيلة عشوائية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

فإذا اتضح ذلك فهل يضرنا بعد ذلك توافقنا في الرأي مع بعض الفاسدين أو حتى ثناؤهم علينا وهما تهمتان توجهان إلينا في مثل هذا الموقف مع أن معظم من يوجِّه تلك التهمة لو قاسها على نفسه لوجد أن هذا الثناء في معظم الأحوال من نصيبه -في الأمور المنهجية على الأقل-!

وإليك مناقشة كل من هاتين التهمتين:

أولاً: تهمة تأييد الفاسدين:

وسوف نناقشها من خلال هذا المثال: هب أن رجلاً مسلمًا صالحًا استعمل على أمر حافلة ركاب فكان قائدًا لها وفيها الصالح والطالح، ثم وجد فيه بعض الحشرات والهوام فأتى بصاعق لها، ولكن لخلل ما أتى بصاعق سبَّب أو كاد أن يسبب في حريق للحافلة بأسرها فقام بعض الفاسدين صائحًا محذرًا من هذا الخطر، وقام بعض الصالحين صائحًا محذرًا من ذات الخطر، فقام البعض الآخر تاركًا الخطر وتاركًا كل شيء ليقول: ما لهؤلاء الذين كانوا يدعون الصلاح يؤيدون أهل الفساد! فماذا لو أن الجميع سلك هذا المسلك؟!

ستنحصر المواجهة بين القائد الصالح وبين أهل الفساد حول هذا الإجراء الفاسد؛ فإن انتصر القائد فهذا يعني احتراق الحافلة، وإن انتصر أهل الفساد قالوا للناس منعنا عنكم كوارث كان سيسببها لكم أهل الصلاح.

إذن فالحل هو أن تصر على معارضة أي خلل تراه "وإن عارضه معك أفسد الناس"، فإذا ما قال قائل: "هذا إذا صح ادعاؤك بأن هذا التصرف يؤدي إلى ذلك الخطر"، فأقول: أحسنت، فلتكن المناقشة دائمًا منصبة على الموقف بغض النظر عن مؤيديه أو معارضيه.

ثانيًا: تهمة ثناء الفاسدين علينا:

وأقتبس هنا جزءًا من مقال لي كتبته في عام 2007م تحت عنوان: " تكريم عمرو خالد بين الخبث الأوروبي والصلف الأميركي " جاء فيه:

ماذا تفعل لو أثنى الكفار عليك، وقدموك كنموذج يجب أن يحتذي به الغير في قول أو فعل؟

هل ستبادر إلى تغيير ما مدحك الكفار من أجله من باب: أنهم لن يرضوا عن خصلة من خصالك إلا إن كانت نافعة لهم مضرة لأمتك؟ أم هل تزداد تشبثًا بها من باب: أن الحق ما شهدت به الأعداء؟!

وإذا اخترت المسلك الأول؛ فماذا تفعل لو تتبع الأعداء كل خصال الخير عندك فأثنوا عليك بها وزعموا أنها نافعة لهم؟!

وإذا أخذت بالثاني؛ فماذا تفعل لو أثنى عليك الأعداء بكل خصلة يريدونها أن تنتشر في بلاد المسلمين من حبهم والثناء عليهم والتبعية لهم إلى غير ذلك؟

إذن فما هو السلوك الصحيح تجاه ثناء الأعداء علينا كأفراد وكجماعات؟

إن السلوك الصحيح في هذا هو ألا نسمح للأعداء بأن يشكلوا منهجنا سواء في طريقة التعامل معهم أو مع غيرها من القضايا، وإنما نرجع إلى كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ونضبط به حياتنا، فإن لم يرقهم ذلك -وهذا هو الأصل- قلنا لهم: ( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ) (آل عمران:119) .

وإن انبهروا بشيء من أخلاقنا أو منهجنا فأثنوا عليه، قلنا لهم: "هذا من فضل الله علينا".

وإن وفينا معهم بعهد أو ميثاق أو غير ذلك مما ينتفعون هم به من الأحكام الشرعية، قلنا لهم قول عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- لما أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- يخرص تمر خيبر فأعطوه حفنة من تمر فقال: "يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَتُطْعِمُونِي السُّحْتَ، وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلأَنْتُمْ أَبْغَضُ إَلَيَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلا يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ عَلَى أَنْ لا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ" (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وصححه الألباني) .

ومن هنا نرى أن مدح اليهود لم يكن هدفًا لعبد الله بن رواحة -رضي الله عنه-، ولا فرح به على الرغم من أن الأمر الذي ينتزع مثل هذا الاعتراف من قوم بهت كاليهود لابد وأن له شأنًا.

ولذلك فليس مأخذنا على الأستاذ "عمرو خالد" هو مجرد ثناء الغرب عليه، واختيار مجلة "تايمز" الأمريكية له ضمن أكثر مائة شخصية تأثيرًا في العام، ولكن المأخذ الرئيسي عليه هو أن ثناء الغرب عليه كان مُسببًا ومعللاً في أنه لا يتكلم في السياسة، ولا يَعْنُون بها الأحوال الداخلية في بلاد المسلمين، بل يتعدون ذلك إلى أنه لا يتكلم عن فلسطين ولا العراق، وأنه ينشر روح التسامح مع الغرب، ولذلك يجب على الغرب أن يسانده هو وكل من كان معتدلاً كاعتداله.

ولم نسمع للأستاذ "عمرو خالد" نفيًّا ولا تكذيبًا للمبررات التي بسببها اختير ضمن أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم.

الصفحة السابقة