السلفيون والعمل السياسي بين مصر وتونس
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الأول: أن هذا المزج الممنوع بين القِيم لا ينفي أن تنقل عن الغير فيما أحالك الشرع فيه على "تجاربك الإنسانية"، ومِن ثَمَّ فمن حقك أن تنقل تجربة غيرك ما دام كان ذلك في دائرة المباح، وليست في دائرة الأمور المطلوب فعلها أو المطلوب تركها، وهي التي تمثِّل القيم.
الثاني: القيم الغربية يجب أن تُعرض على الشرع فيقبل منها ما يوافقه ويرد ما يخالفه، وهذا ليس مزجًا بين القيم، ولكنه في هذه الحالة يكون إعلاءً لشأن الشريعة وجعلها المرجعية العليا لكل ما ورائها.
الوقفة الثالثة:
ادعاؤه أن السلفيين حاولوا فرض آرائهم بالقوة هو نوع من الظلم للسلفيين في "تونس"، وكأن قَدَر السلفيين أن يكونوا ضحية للاستبداد العالماني والإسلامي على حد سواء!
ومن المعلوم أن هناك تيارات ترى فرض آرائها بالقوة، وأن لهم أسماءً قد يكون منها مصطلح: "السلفية الجهادية"، ومع ذلك فلا يخفى على الشيخ "راشد الغنوشي" أن مصطلح "السلفية" عند الإطلاق يدل على هؤلاء الذين يعلون من شأن الشريعة، ولكنهم لا يفرضون آرائهم بالقوة.
الوقفة الرابعة:
دعوى "أن السلفية ليسوا من صنيعة الثورة، ولكنهم من صنيعة النظام القديم": دعوى غريبة تحتاج منه أن يشرح لنا ماذا يعني بذلك؟! مع الأخذ في الاعتبار أن الأمر الذي يستند إليه البعض في وصم السلفيين بهذه التهمة في بلادنا هو وجود شيء من الحرية الدعوية للسلفيين في ظل النظام السابق -"مع أنها كانت منتزعة بفضل الله -عز وجل- بانتشار الدعوة وكثرة أتباعها، وصبر دعاتها"-، ولكن هذا لم يكن موجودًا في "تونس" بحال من الأحوال، بل كانت اللحية أو الحجاب سببًا مباشرًا لكي يفصل صاحبها أو صاحبته من العمل مباشرة؛ مما يدل أن هذه التهم هي تهم مُعلَّبة "عابرة للبلاد والقارات!".
الوقفة الخامسة:
قوله بالترحيب بأي حزب يختاره الشعب ولو كان الحزب الشيوعي! يوضح الفرق بيْن مَن يؤمن بالديمقراطية ولكن بنكهة إسلامية، وبيْن من يقبل بحكم الواقع بآليات الديمقراطية من انتخابات، وفصل بين السلطات، وغيرها... شريطة التزام الجميع بأحكام الشريعة عن طريق وضع نص دستوري ملزم لكل السلطات بعدم مخالفة الشريعة.
وأخيرًا أقول: إن الدعوة السلفية وحزب النور، قد تمكنا بفضل الله -عز وجل- من وضع المواد رقم: (4) و(11) و(81) و(219) بالإضافة إلى المادة الثانية.
ولك أن تتصور ماذا كان سيكون الحال لو انفردت التيارات الإسلامية التي يدخل ضمن مكوناتها الرئيسية "تيار العقلانية المعاصر" الذي ظهر لك بعض أصوله في كلام الشيخ "الغنوشي"؟!
الوقفة السادسة:
دعوة الشيخ "راشد الغنوشي" للتحالف بين من يمثلون الإسلام الوسطي -"من وجهة نظره هم هؤلاء الذين امتنعوا من ذكر مصطلح الشريعة!"- مع العالمانيين في مواجهة المتطرفين السلفيين، وهو حلف نشأ عدة مرات في بلاد إسلامية وبأسماء كثيرة، وتحت مبررات شرعية، من أشهرها: "حلف الفضول"؛ متناسين أن الحلف بين هؤلاء الإسلاميين والعالمانيين لا يتضمن فقط ما اتفقوا عليه من الحفاظ على حقوق الناس -والتي يبدو من كلام الغنوشي ومن تصرفات غيره أن السلفيين مستثنون منها-، ولكن هذه الأحلاف فرضت عليه وعلى غيره ألا يذكر الشريعة، وألا يرجع إلى قيمها خالصة حتى وإن لم يذكرها، وإنما لا يرجع إلى قيمها إلا ملفقة مع غيرها من القيم الغربية.