شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من دروس رمضان: الدعوة (معالمها - آدابها - آمالها)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة

2- ومما ينبغي أن نعيه أن الرسل معصومون غير أن أتباعهم ليسوا بمعصومين حتى في زمانهم، ولكن وجود الوحي يجعل الأخطاء التي يقال في شأنها: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:165) ، هذه الأخطاء إذا وقعت في زمن النبوة فسرعان ما يتم تصحيحها، ومِن ثَمَّ تستمر المسيرة بثقة تامة بنصر الله، وأن ما يقدِّره الله بعد تصويب تلك الأخطاء من بلاء هو مِن قبيل قوله -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (محمد:31) .

أما بالنسبة لنا فنحتاج آن نقف طويلاً نفتش عن آفات في النفس، وأخطاء في الاجتهاد؛ فكم أوتيت الحركة الإسلامية من تسرع بعض قادتها أو من خلل "المنة على الناس" الذي نهى الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- عنه في الآيات التي أمرته بالدعوة.

3- ومِن ثَمَّ فإن الواجب علينا متى استبطأنا النصر أو شعرنا بانكسار أو تعثرت مسيرتنا أن نراجع أنفسنا على مستوى العلم والعمل والاجتهاد.

- نراجع أنفسنا متذكرين قول العباس -رضي الله عنه- عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة".

- نراجع أنفسنا على مستوى النوايا متذكرين أن الله قال لصحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) (آل عمرن:152) .

- نراجع اجتهاداتنا وأولوياتنا، ونتذكر أن موسى -عليه السلام- يشفق يوم القيامة على نفسه من خطأ يسير في ترتيب الأولويات، فيقول: ( إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ) (متفق عليه) ، مع أن هذا المقتول كان كافرًا ومعتدٍ في ذات الوقت.

4- ومتى قمنا بتلك المراجعة فلنملأ أنفسنا ثقة لا تهتز، ثقة لا تعبأ بتغير الأحوال، فربنا ورب خصومنا الله الذي لا يعجزه شيء، ثقة كتلك التي كانت عند صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأحزاب من حولهم وهو يبشرهم بكنوز كسرى وقيصر، ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) (الأحزاب:22) .

هذه الثقة تورث تسليم المطمئن رغم اضطراب الأحوال، كهذا الذي ورد في الدعاء المأثور -الذي يشع بأنوار النبوة وإن كان في سنده مقال-: ( اللَّهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوانِي على النَّاسِ، يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! إِلَى مَنْ تَكِلْني؟ إِلَى عَدُوَ يَتَجَهَّمُنِي أمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أمْرِي؟ إِنْ لَمْ تَكُنْ ساخِطاً عَلَيَّ فَلا أُبالِي، غَيْرَ أنَّ عافِيَتَكَ أوْسَعُ لِي، أعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الكَرِيمِ الَّذِي أضاءَتْ له السموات والأرْضُ وأشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُماتُ، وصَلَحَ عليهِ أمْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ أنْ تُحِلَّ عَليَّ غَضَبَكَ أوْ تُنْزِلَ عَلَيَّ سَخَطَكَ، وَلَكَ العُتْبى حَتَّى تَرْضى، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِكَ ) (رواه الطبراني، وقال ابن القيم -رحمه الله-: "عليه نور النبوة") .

فلنشكو إلى الله ما نجده، ولنحرص قبل ذلك على ألا يكن به غضب علينا، فاللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

الصفحة السابقة