المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين
الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة
أطلقه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أنه صاحب مال كثير، وقتله فيه غيظ للكفار، لكن هناك رسائل ترسل عبر القلوب تأسرها، كان ثمامة يسمع إعلامًا مضللًا، ولا يعلم حقيقة هذا الدِّين، فلما ظل ثلاثة أيام يسمع القرآن، ويرى المصلين، ويعرف حقيقة الإسلام؛ تغير تمامًا؛ كل هذا بالخُلُق الحسن، بالمن، بالعطاء، تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك مع ثمامة -رضي الله عنه- وكان كافرًا؛ فكيف بأهل الإسلام؟! الأهل، الجيران، الأقارب، أهل الوطن الواحد الطيبون في معظمهم، وإذا كان هذا الإحسان لمن أساء، فكيف بمن لم يسئ؟! فينبغي علينا أن نحسن ألفاظنا وأفعالنا، نطهر صدورنا وقلوبنا، والحوارات التي تجري بين الناس لا تسمع فيها إلا السب والشتم والاختلاف، والتهديد بالقتل، ويا للأسف يوجد مَن يقتل بدم بارد، ولا يشعر بألم حين يقتل كأن هذه النفوس لا تؤثر فيه! وهذا هو الجبروت -نسأل الله أن يعافينا وأن ينجي بلادنا من كل جبار عنيد-، لكن ذلك لا يمنع الإحسان إلى الخلق، فإن ذلك يجعلك تبصر عند الفتن ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ).
وتأمل باقي القصة : ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) (القصص:15-19) .
( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ) إذًا كان الأمر واضحًا عند موسى -عليه السلام-، هناك رجل من شيعته من بني إسرائيل، وهناك أعداء، فالتمييز حاصل ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ )، ولا شك أن هذا منظر مؤلم؛ أن يرى موسى -عليه السلام- واحدًا من الطائفة المستضعفة يُضرب ويهان، ويوشك أن يقتل وهو مظلوم، وموسى -عليه السلام- لا يمكن أن يترك المظلوم وهذا هو الأصل ( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ) فموسى -عليه السلام- كان قد آتاه الله قوة عظيمة.
وتأمل في حال موسى -عليه السلام- الذي لم يقصد أن يقتل هذا الرجل، لم يتعمد قتله، بل كان يريد أن يدفعه فقط، وهو رجل كافر معتدٍ ظالم، ويريد قتل رجل من الطائفة المظلومة، لكن ضربه موسى -عليه السلام- ضربة كانت فيها نهايته، فكيف وَزَنها موسى -عليه السلام-؟ ( قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) سبحان الله! قتلُ كافر ظالم معتدٍ يريد قتل مظلوم، يكون قتله -خطأ لا قصدًا- من عمل الشيطان!
فلماذا وزنها موسى -عليه السلام- بهذه الطريقة؟!
لأن الشيطان يريد أن يدمر أمة، يدمر دعوة، الشيطان يريد أن يوقف خيرًا مستمرًا في المجتمع بوجود موسى -عليه السلام-، ( إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ )، وسمَّى موسى فعله هذا ظلمًا ( قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )، وفي حديث الشفاعة قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي... ) (متفق عليه) .
ينسحب موسى -عليه السلام- من الشفاعة لأجل هذا الموقف ويظل ذاكرًا له: ( وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا )، يقول هذا في قتل نفس كافر ظالم؟! نعم؛ لأنه ترتب على قتلها فساد في الأرض، وأذى للمسلمين، وتوقف الدعوة إلى الله لسنوات بحكمة الله البالغة الذي قدَّر ذلك من عداوة الشيطان للإنسان الذي يريد أن يورده المهالك، ويوهمه أنه يفعل ذلك من أجل الدين، وبالقطع لا نشك أن موسى -عليه السلام- فعل ذلك مِن أجل الدين، ونصرة للمظلوم، ولكنها كانت عاطفة بغير رجوع إلى الشرع في هذه اللحظة خطأ لا عمدًا ( وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ) مع أنه لم يقل: "نهيت عن قتلها"؛ فكيف بما نُهي عنه من قتل النفوس المسلمة المعصومة؟! وكذلك النفوس المعاهَدة من غير المسلمين؟
بل سمى موسى -عليه السلام- هذا الذي صدر منه خطأ ضلالًا حين قال له فرعون: ( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ . وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (الشعراء:18-19) ، فأجابه موسى -عليه السلام-: ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) (الشعراء:20) ، فسماها موسى -عليه السلام- ضلالًا أي: بالنسبة لما صار إليه بعد ذلك من الحكمة والعلم.