مؤهلات النصر في جيل الصحابة
صوت السلف • السيرة والتاريخ
كان الواحد من الصحابة بمجرد أن يدخل الإسلام يجتهد كل الاجتهاد أن يقطع حبال الجاهلية، وأن يخلع على باب هذا الدين كل ماضيه؛ بما فيه من سوءات وظلمات؛ فهذا عبد الله بن عبد الله بن أُبَي ابن سلول يستأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يأتي برأس والده رأس المنافقين! وهذا حنظلة بن أبي عامر يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل أبيه لما آذى الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين؛ فينهاه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، كما نهى عبد الله بن عبد الله بن أُبَي ابن سلول.
6- استهانتهم بزخارف الدنيا وزينتها الجوفاء:
عَلِم الصحابة -رضي الله عنهم- حقارة الدنيا، وزيف زخارفها؛ فاستهانوا بها فلم تبهرهم الأضواء، ولم تشغلهم الشهوات، وما موقف الصحابي الجليل ربعي بن عامر يوم القادسية عنا ببعيدٍ حين دخل على رستم، وقد مزق النمارق والوسائد التي وضعت له، وهو إنما يمزق شهوات الدنيا الفانية، وزخارفها الجوفاء.
7- حرصهم على الاجتماع والوحدة ونبذ الخلاف:
كان الصحابة -رضي الله عنهم- من أحرص الناس على أسباب الرفعة والنصر، والتي من أسبابها الوحدة والاجتماع، ونبذ الخلاف؛ قال -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) (آل عمران: 103) .
قال علي -رضي الله عنه-: "السنة والله سنة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، والبدعة ما فارقها، والجماعة والله مجامعة أهل الحق، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا".
8- مسارعتهم -رضي الله عنهم- إلى التوبة والإنابة إن بدرت منهم المعصية:
كما في قصة ماعز الذي أقرَّ عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نفسه بالزنا، فأمر بإقامة الحد عليه ثم أتت الغامدية تقر على نفسها كذلك، وكذا الثلاثة الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك بغير عُذْرٍ حتى نزلت براءتهم من السماء؛ فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- من أسرع الناس إلى التوبة والإنابة، والاعتراف بالذنب، كما أنهم دائمًا أسرع الناس إلى الخير؛ فرضي الله عنهم أجمعين.
9- تكافلهم فيما بينهم ومواساتهم لإخوانهم:
قد مدح الله -عز وجل- الأنصار الكرام بقوله -تعالى-: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (الحشر: 9) ، وكانوا رضي الله عنهم يمتثلون قوله -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات: 10) .
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ؛ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ" (رواه البخاري) .
10- اتهامهم أنفسهم دائمًا بالتقصير:
قال الله -تعالى-: ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (يوسف: 53) ، وهذا أبو بكر -رضي الله عنه- يدخل عليه عمر يومًا: "وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَهْ! غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ! " (رواه مالك في الموطأ، وصححه الألباني) .
وهذا أبو الدرداء يصيبه المرض، ويدخل عليه أصحابه ليعودوه، فيقولون له: "أي شيء تشتكي؟ فيقول: ذنوبي. فيقولون له: أي شيء تشتهي؟ فيقول: الجنة! ".
11- أنفتهم واستعلاء الإيمان في قلوبهم:
هذا الإيمان الذي رفع رأسهم عاليًا، وأقام صفحة عنقهم؛ فلم تنحنِ لغير الله أبدًا.
12- تزكية نفوسهم بالعبادات:
وعى الصحابة -رضوان الله عليهم- عمليًّا: أن تطهير النفس وتزكيتها هما أساس التغيير المنشود، وأساس النجاح والنصر المنشود في الدنيا، والفوز والفلاح في الآخرة، قال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ) (الشمس: 9) ، وقال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) (الأعلى: 14، 15) .
13- ثباتهم أمام المطامع والشهوات:
لا شك في أن قوة الإيمان في قلب العبد تجعله يترفع عن شهوات الدنيا وأغراضها الدنيئة، فيصون العِرْض، ويؤدي الأمانة، ويعف عن الغلول.
14- حرصهم على الأخذ بأسباب القوة:
عملًا بقوله -عز وجل-: ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (الأنفال: 60) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ) (رواه مسلم) .
15- استنصارهم بالله -عز وجل- وطلبهم العزة بما أعزهم الله -عز وجل- به:
وقد كان مِن هدي الصحابة الكرام أنهم يطلبون النصر من الله -عز وجل-؛ عملًا بقوله -تعالى-: ( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (الأنفال: 10) .
ويطلبون العزة بما أعزهم الله -عز وجل- به من الإيمان والعمل بالإسلام، وطاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما قال عمر: "إنا كنا أذل قوم؛ فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به، أذلنا الله".
16- ثقتهم بنصر الله -عز وجل-:
قال -تعالى- "وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: 47) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) (الصافات: 173) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ) (رواه مسلم) ، فكان مِن ثقة الصحابة الكرام بنصر الله -عز وجل- يتهمهم المنافقون بالغرور، كما قال -تعالى-: ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (الأنفال: 49) .
ولكلِّ ذلك وغيره رضي الله تبارك وتعالى عنهم ورضوا عنه.
