شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا نصر على المادة (219)؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالأصل في نصوص الدساتير أن تكون نصوصًا واضحة، جامعة مانعة، معبِّرة عن عقيدة الأمة وهويتها، وليست معبرة عن مصلحة طائفة محدودة؛ إلا أن تكون الجماعة الوطنية ترى هذه المصلحة حقًّا وعدلاً، وتمثـِّل جزءًا من توازن المجتمع واستقراره.

ولقد نص أول دستور مصري سنة 1923م على أن: "للدولة المصرية دين هو دين الإسلام، ولغة رسمية هي اللغة العربية"، ويختلف الإسلام عن غيره من الملل أنه شامل لكل حياة البشر؛ أفرادًا وجماعات، وشعوبًا ودولاً، قال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) ، وقال -تعالى-: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) (المائدة:49) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ) (النساء:105) ، وقال -تعالى-: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة:213) .

وهذه القضية قطعية الثبوت والدلالة، معلومة بالضرورة من دين الإسلام من المسلمين، وإنما حاول العدو المحتل المسمى: "بالاستعمار" فصل الدين عن حياة الأمة، وخاصة في شأن السياسة والتشريع والقضاء؛ تمهيدًا لفصله عن حياتها في الأخلاق والعقائد والعادات!

ولم ينجح -بحمد الله- في ذلك "إلا في طائفة محدودة من المجتمع" حاولتْ أن تفرض إرادتها على الأمة بقوة المستعمر تارة، وبالخديعة واللين تارة، وبـ"سحر الإعلام" تارة، وبسلطان القهر والتعذيب والسجن والقتل تارة؛ إلا أن الأمة ثبتت على عقيدتها الراسخة في شأن شمول هذا الدين لحياتها، لا تجد فرصة حقيقية للتعبير عن عقيدتها وهويتها إلا أظهرتها؛ ظهر ذلك في دستور مصر سنة "1971م"، حيث شهد المجتمع حوارًا طويلاً حول النص على مرجعية الشريعة الإسلامية في التشريع.

وكان الضغط الشعبي مع بدايات الصحوة الإسلامية المعاصرة هائلاً، ولكن قابلته مقاومة عنيفة من القوى العلمانية وغيرها؛ مما جعل الصياغة تنص على أن: "مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، والمفترض أن وجود مصدر رئيسي دون النص على غيره أنه رئيسي يقتضي أن كل المصادر غيره فرعية مما لا يجوز أن تعارضه، وعلى المجلس التشريعي مراجعة كل التشريعات التي تخالفه.

وكان النص في الأصل مقترحًا أن يكون: "الشريعة الإسلامية"، لكن ضغط القوى العلمانية أدى إلى إضافة كلمة "مبادئ" التي لا توجد في القرآن ولا في السنة، ولا في كلام الفقهاء ولا الأصوليين، ولا غيرهم... ولا نعلم أحدًا استعملها قبل هذا العصر!

فصار تفسيرها بالتأكيد متباينًا مختلفًا، فالبعض يفسِّرها بأنها قطعي الثبوت والدلالة، وهذا تفسير المحكمة الدستورية العليا في سنة "1996م"، ومنهم من فسرها بما هو أعم من ذلك: كالحرية، والمساواة والعدل، والكرامة الإنسانية؛ فهي عندهم مجرد "مادة ديكورية تزيينية" كما صرح به بعضهم!

وعند البعض أنها مماثلة تمامًا للأحكام، وهذا ما يحاول البعض أن يقنعنا به وهو أن المادة الثانية خاصة بعد تعديل سنة "1981م"، والتي صارت هي "المصدر الرئيسي للتشريع" كافية، ولكن -كما هو واضح- هذا التعبير عندهم وحدهم، وليس عند المحكمة الدستورية التي تختص بالنظر في دستورية القوانين وعدمها، وكذلك ليس عند الطوائف الليبرالية المتطرفة التي تريد أن تعبِّر عن هوية أخرى غير هوية هذا الشعب المنتمي لهذا الدين كأقوى ما يكون!

وهم -ونحن- جازمون بأنه لو عرض الأمر على الشعب لاستعلامه عما يعتقده لاختار قطعًا "الشريعة" دون لفظ: "مبادئ"؛ ولذا أبوا ذلك تمامًا مع أنه عين الديمقراطية التي يريدونها، ويدعون تطبيقها!

ومِن هنا كانت الحاجة إلى مادة مفسِّرة لكلمة "مبادئ" المختلف فيها، فكان دستور سنة "2012م" متضمنًا للمادة (219) المفسِّرة لكلمة مبادئ؛ لتلزِم الجميع بهذا الفهم الذي "وافق عليه الشعب المصري"، وقد وقـَّع عليه قبل ذلك كلُّ الطوائف من قوى: ليبرالية ومدنية وممثلي الكنائس المصرية، والأزهر والإخوان والسلفيين، وأقره ممثلو القوات المسلحة والشرطة.

وتضمن النص أن: (المبادئ: تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة).

وقد حاول البعض حذف كلمة (مصادرها) باعتبار أنها الأدلة، ولكن إصرار أحد الأعضاء على إضافة كلمة (الكلية) إلى (الأدلة) أدى إلى تحجيم هذه الأدلة وحصرها، فليستْ كل أدلة الشريعة تكون مصدرًا للتشريع، وإنما الأدلة الكلية دون الجزئية.

وهذا يعود بنا إلى الدائرة المفرغة من وجود تفسيرات متعددة لمعنى (الكلية) : أهي فقط النصوص التي تدل على القواعد الفقهية والأصولية؟ أم هي النصوص والأدلة التي تتناول الكليات دون الجزئيات؟ ثم نعود إلى الاختلاف حول ما هي الكليات؟!

فيا قومنا...

لماذا الإصرار على الغموض في هذه المادة؟!

ولماذا محاولة الهروب من شرع الله إلى شرع وضعه البشر بآرائهم؟!

ولماذا التقديس للقوانين الوضعية المأخوذة عن أوروبا في عصور احتلال بلادنا وضعفها؟!

ولذلك كان الإصرار على إضافة كلمة (مصادرها)؛ لأجل أن تشمل المصادر المجمع عليها: "الكتاب والسنة والإجماع والقياس"، والمصادر المختلف فيها التي قد يأخذ بها المجلس النيابي في سن القوانين التي تلبي الحاجة وتحقق المصلحة.

وكان النص على مذاهب أهل السنة والجماعة التي تشمل المذاهب الأربعة، والمذهب الظاهري، ومذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم قبل تدوين المذاهب؛ ليمثِّل خيارًا واسعًا دون التقيد بمذهب معين، وليكون كذلك سياجًا واقيًا من خطر "الفكر الشيعي" الغالي الذي يريد غزو مجتمعنا، وكذلك "فكر الخوارج" المتطرف الذي يخالف الكتاب والسنة والإجماع؛ فضلاً عن مخالفة طبيعة شعبنا وعقيدته السنية.

وإننا نطلب من قومنا الإنصاف: فمادة بهذا الاعتبار تعبِّر عن إرادة أمة وهوية شعب بعبارة واضحة بلا لبس، وتبعد عن أسباب الانقسام الطائفي الذي يريده الأعداء، ووافقت عليه كل الفئات ووقـَّعت عليه - لماذا تصرون على حذفها وتعودون بنا إلى دائرة التفسيرات المختلف عليها لكلمة (مبادئ)؟!

فإن أبيتم، فاحذفوا كلمة (مبادئ) وأريحونا وأريحوا شعبنا، أو اسألوه في الاستفتاء: هل تريد بقاء هذه المادة (219) أم حذفها؟!

وما أيسر أن تتضمن الورقة سؤالين لا سؤالا واحدًا.

وانتظروا النتيجة... !

وأما الطوائف غير المسلمة: فقد أخذتْ حقها كاملاً في (المادة الثالثة) التي لم نعترض عليها؛ رغم أنها كانت منصوصًا عليها في القانون، لكن أرادوا تأكيدها في الدستور -لا مانع من ذلك، وهو تأكيد لحق يريدونه لا يخالف الشرع-، وكان في المقابل قبولهم للمادة المفسرة ولمرجعية "هيئة كبار العلماء" في الشأن الإسلامي الذي طالته أيضًا أيدي العبث بمواد الهوية في عمل "لجنة العشرة" لتلغي هذه المرجعية الاستشارية وليست الملزمة؛ وإن كانت أدبيًّا ملزمة لن يستطيع أحد تجاوزها كما حدث في "قانون الصكوك" الذي كان خطرًا داهمًا بصيغته الأولى التي نقضتها "هيئة كبار العلماء" -رغم إصرار حزب الحرية والعدالة وقتها على عدم عرضها على الهيئة!-؛ فهل جنينا منها إلا الخير؟!

وأنتم تقولون: "وسطية الأزهر"، ونحن الذين نطالب بجعل مؤسسته هي التي يُرجع إليها في الشأن الإسلامي؛ فما الذي تتخوفون منه؟!

لم نقل: سنتكلم في الشأن الإسلامي بلساننا كـ"سلفيين" أو بلسان الإخوان أو بلسان الجماعة الإسلامية أو غير هؤلاء، بل نقول: "ارجعوا للأزهر" وعليهم الأمانة والمسئولية في قول الحق لا يخافون لومة لائم.

وفي النهاية نقول: لا نرى لنا بديلاً عن هذه المادة (219) مع مرجعية الأزهر كمؤسسة في هذا الشأن.

( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) (الأعراف:89) .